كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فضل عظيم وبشرى لأهل السنة

المصدر
فضل عظيم وبشرى لأهل السنة قال مسلم في صحيحه 7013- [79-2726]: "حدثنا قتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وابن أبي عمر، واللفظ لابن أبي عمر، قالوا: حدثنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس، عن جويرية، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته". قال ابن القيم في الوابل الصيب: "فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئًا منها فثمرته ضعيفة". فهنا ابن القيم ينبِّه على أن فضل الذكر يحصل كأكمل ما يكون إذا تواطأ القلب مع اللسان، وتواطؤ القلب إنما يكون بالاعتقاد الصحيح ابتداءً. وتأمَّل -بارك الله فيك- هذا الذكر الذي نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على عظيم فضله وأنه يعدل ذكر أم المؤمنين من الصباح إلى الضحى. هذا الذكر إن تأملته وجدته يتضمن مطالب عقيدة أهل السنة والجماعة في أعظم الخلافيات التي حصلت لهم مع المخالفين، ألا وهو مطلب الأسماء والصفات، فالذكر فيه تنبيه على عقيدة أهل السنة في القرآن الكريم وعقيدتهم في العلو. ففي الفتنة العظيمة التي حصلت فتنة القول بخلق القرآن كان جواب علماء أهل السنة على الجهمية أن كلام الله غير خلقه في النصوص. قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا}. وقال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} وقالوا إذا كانت (كن) مخلوقة فإنها تفتقر إلى مخلوق آخر، وهكذا تتسلسل إلى مالا بداية وتسلسل المؤثرات ممتنع. وفي الذكر المروي "عدد خلقه" و "مداد كلماته" ففرَّق بين الخلق والكلمات على اعتقاد أهل السنة. وفي الذكر "وزنة عرشه" وفي ذلك التنبيه على صفة العلو لله عز وجل. ومسألة الكلام ومسألة العلو أعظم مسألتين حصل فيهما النزاع مع أهل الكلام لهذا لا يخلو منهما كتاب عقيدة. قال البخاري في خلق أفعال العباد: "وقال محمد بن يوسف: من قال إن الله ليس على عرشه فهو كافر، ومن زعم إن الله لم يكلم موسى فهو كافر". وكذلك ذكر الرضا، فقد خلط في هذه المسألة أهل الكلام، فمنهم من هو جبري يزعم أن كل ما خلقه الله فهو يرضاه ولو كان من المعاصي والشرك، فخلطوا بين مقام الرضا ومقام الحكمة، فهذه الأمور خلقها الله لحكمة وإنما يرضى الطاعة. وعامة المعطلة لا يثبتون الرضا لله القائم بنفسه سبحانه. والخلاصة أن هذا الذكر الحظُّ الأوفى من الأجر فيه لمن استحضر عقيدة أهل السنة، وأما المعطلة فلو تلفظ أحدهم بهذا الذكر بلسانه فلا يُثبِت حقيقته، فالبشرى بثبات هذا الأجر لمن آمن بهذا الذكر على ظاهره وهم أهل السنة.