كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ما فائدة هذا البحث ؟

المصدر
ما فائدة هذا البحث ؟ هذه كلمة تطلق كثيراً إذا سمع منك شخص كلاماً في بحث لا يعجبه كأن تحكم على فرقة كلامية بحكم يستغلظه أو على مقالة معينة أو تحقيق حال شخص معين هذا السؤال في العادة يستبطن غير ما يظهر فإن السائل ليس عنده مشكلة مع أصل البحث وإنما المشكلة عنده في نتيجة البحث فَلَو كانت نتيجة البحث الدفاع عن المخالف أو تهوين الحكم فيه لم يسألك هذا السؤال وهذا نظير كلام بعض الناس إذا سمعوك تتكلم ببعض الفروع الفقهية التي يستثقلها فيقول لك : ما الفائدة من هذه الأبحاث والنَّاس وصلت للقمر ونحو هذه العبارات ولكن لا يقول لك ما فائدة هذه الأبحاث إذا كانت نتيجة بحثك تنتهي إلى الإباحة التي توافق هواه بل سيقول عنك علامة ومحقق ومدقق ! وإذا كان الأمر كذلك فالسؤال ينبغي أَن يكون ما فائدة هذه النتيجة ؟ فيقال : هذه النتيجة إذا كانت هي ما يقتضيه النظر في النصوص أو ما يقتضيه المنهج العلمي الرصين فإنه لا يسأل عن فائدتها فالحق محمود على كل حال وَيَا ليت شعري إذا كان القول الذي أذهب إليه صحيحًا أو على الأقل قولًا قوياً مظلوماً يدعى الإجماع على خلافه بناء على مغالطات علمية ومقدمات عاطفية فإن للمائل لهذا القول الحق في أَن يستدل لمقالته وربما تسامحتم مع من يأتي بالشذوذات في إباحة المحرمات أو التسامح مع المخالفين ولكن لا تتسامحون مع من يأتي بقول تظنون فيه تشديداً مهما قويت أدلته وبعيداً عن التغمية والمجاملات كثير من المشاريع الحركية مبنية على مقدمات تجميعية بدرجة من الدرجات ثم يفرضون ذلك على البحث العلمي فهناك منطقة آمنة في البحث العلمي مأذون لك بالكلام فيها لأنها لا تخالف المشروع أو ربما تخدمه وهناك منطقة محظورة لا يجوز الاقتراب منها وربما كانت الأدلة في المنطقة المحظورة أقوى من الأدلة في المنطقة الآمنة ولكن المعيار ليس قوة الأدلة من ضعفها وإنما المعيار ما قسمه المشروع الحركي لآمن ومحظور والمشروع الحركي يستبطن منافع دنيوية حاضرة فلكي يحكم على مسألة ما أنها لا فائدة منها ( حركياً ) لا بد أَن يثبت أنه لا فائدة منها أخروياً ودون ذلك خرط القتاد ( يعني ذلك عسير جداً ) وكثير من العامة أيضاً يؤمنون بالإفراط في النفس التجميعي والإعذاري بناء على التأثر بالسياق الإنسانوي العام الذي نعيش فيه فهناك سوء ظن بظهور الحقائق الشرعية مع إحسان ظن مفرط بالبشر حتى أننا نرجع كل انحراف إلى وجود شبهات وإشكالات وكأنه لا يوجد هوى في الدنيا لهذا هناك إفراط في الخطاب الحجاجي ونفرة من الخطاب الإستعلائي والوعظي ويرونه لا يناسب العصر ومتطلبات الشباب وعامتهم ما مارس دعوة الشباب حقًا ولكنه ينظر من بعيد يظهر الحرج عند أي إنسان يتبع مشروعاً حركياً أو جماهيرياً إذا رأيته يستدل بكلام لعلماء في مسألة من مسائل ( المنطقة الآمنة ) فإذا بهؤلاء العلماء لهم كلام مثله في مسألة من المسائل ( المنطقة المحظورة ) وهنا يتسلط عليهم فئتان من الناس فئة تدعوهم لإطراح كلام العلماء مطلقاً وهؤلاء دعاة العلمنة وفئة تدعوهم لقبول كلام العلماء في كل الأبواب وهؤلاء من لم يتأثروا بالحركية ويعينونهم على دعاة العلمنة ويعظونهم بترك هذا التناقض ولكن الحركيين يوهمون أنفسهم بأنهم وسط بين الفئتين والواقع أنهم تناقضوا تناقضًا تنزهت عنه الفئتان وكثير من طلبة العلم يهابون الخوض في المناطق المحظورة مع اكتمال أدوات الخوض عندهم إما لحركية فيهم أو هيبة من الحركيين أو هيبة من الجماهير ويبقى فقط في المنطقة الآمنة ثم تجده يتشدق بحب ( العلم ) و ( الحقيقة ) ويكتب الابتهالات التي تظن معها أنه يذوب من خشية الله وهو يخشى الناس ولا سوط على ظهره ولا سيف على عنقه وإنما عداد متابعين يخاف من نقصانه وبعض علاقات اجتماعية يخاف من فقدانها ومع ذلك لا يسلم لهم ما يريدون ولا يتعظون أبدًا وكثيراً ما يحاولون نسبة تناقضهم لبعض المتأخرين للخروج من التثريب مخالفين للأصول المتفق عليها بأن كلمات العلماء يستدل لها ولا يستدل بها عند الخلاف وأن المتقدم حجة على المتأخر لا العكس هذه أصول يستخدمونها للرد على العالمانيين ولكنهم يتحاشونها في هذه الأبحاث وفي الغالب يكون نقلهم لكلام المتأخر مبني على اجتزاء يشوه هذا المتأخر ويسلط عليه بعض المتعجلين ثم يأتون هم ويشتكون من سوء أدب هؤلاء المتعجلين مع العلماء ويتناسون أنهم هم السبب بما فعلوه من اجتزاء وقد سنوا لهم سوء الأدب بإسقاط كلام المتقدمين أمام كلام بعض المتأخرين وكلام المتأخر مجتزأ ثم بعد ذلك يسبون من يأخذ كلام المتقدمين ويلحقون به النقائص وهذا في حقيقته سوء أدب مع المتقدم كل هذا من أجل مشاريع حركية أو جماهيرية أثبتت فشلها حتى إشعار آخر ومن ظن أَن مجد الأمة يقوم على هذا التناقض فقد أساء الظن بالله والخلاصة أَن قولك ما الفائدة من هذا البحث وأنت تنشر فيه قولًا خلاف قولي أو تسكت على نشره استهانة ظاهرة بالعقول وما كان الناس قبل هذا الزمان يجرأون على هذا الاستخفاف. سلفية فلاسفة الأخلاق ! جاء في كتاب نظرية القيمة في الفكر المعاصر للدكتور صلاح قنصوة :" ولا يرى جود بأسا في اعتناقه لنظرية أفلاطون التي مر عليها أكثر من ألفي عام معتذراً عن موقفه ذلك بما قاله ( هوايتهد ) في وصفه للتراث الفلسفي الأوروبي بأنه بمثابة 《 سلسلة من الملاحظات التي تسجل في هامش الصفحات عند أفلاطون 》 a series of footnotes of Pisto كما أن نظرية أفلاطون والنظريات المستمدة منه هي التي تشكل الجانب الأكبر من الفلسفلة المعاصرة ، وهذا ما يبدو جلياً في حديث نيكولاي هارتمان عن القيم في كتابه 《 الأخلاق 》 وبذلك تقف تأويلات فلسفة أفلاطون وتطبيقاتها بارزة في المناخ الفلسفي لعصرنا الحاضر" انتبه إلى كون هذا الفيلسوف الذي يعيش في القرن العشرين بالتاريخ النصراني يختار قول أفلاطون الذي كان موجوداً قبل ألفي عام وينقل عن فيلسوف آخر أن عامة التراث الأوروبي في الأخلاق مستمد من أفلاطون بمعنى أنه إما تقرير لكلامه أو تقييد لبعض إطلاقاته أو انتصار لمعارضات السوفسطائيين له ويبقى جوهر الكلام كما هو أنقل هذا الكلام لأن عامة دعاة التنوير في بلداننا الذين يتخذون الأوروبيين قدوة ينفرون من القديم لمجرد أنه قديم ولا يوجد إنسان يبحث في فلسفة الأخلاق عند القوم وهذا موضوع خطير تبنى عليه التشريعات القانونية عندهم إلا ويكون كلامه استمداداً لكلام الفلاسفة الإغريق ومحاولة للتخريج عليه ما بين مثالية أو واقعية أو براجماتية كما يفعل الفقيه المسلم مع تراث الفقهاء نعم يتعامل مع النوازل ونعم يرجح بين الأقوال وربما اجتهد في استدلالات لم يسبق إليها ولكنه في النهاية ضمن إطار لا يخرج عنه إذا فهمت ما سبق تفهم سخف قول من يقول ( الناس ذهبوا إلى القمر ولا زلتم تقرأون في كتب الحديث ) فقد نقض هذه المقالة من عدة وجوه ولكنني اليوم أنبه لوجه جديد ألا وهو أن التقدم التكنلوجي أمر محايد وأن القيم والأخلاق ثوابت ( حتى القائلون بالنفعية يضعون قواعد لضبط الأمر ) فكما أن وصول الناس للقمر لا يؤثر في كون الصدق والأمانة والشجاعة والنجدة والوفاء من الأخلاق الجيدة وأن الكذب والبخل والجبن والنكران والخذلان من الأخلاق السيئة فكذلك لا يؤثر وصول للناس للقمر _ إن صح ذلك _ أو للمريخ حتى في كون الأمر الفلاني أمر الله عز وجل به ويأجر على امتثاله في الآخرة وأن الأمر الفلاني نهى الله عز وجل عنه ويستحق العقوبة تاركه وهكذا في عموم الأوامر والنواهي على اختلاف مراتبها وأخيراً أقول مشكلة فلاسفة الأخلاق على اختلاف مذاهبهم أنهم يريدون تحديد ما هو الصواب وما هو الخطأ قبل أن يجيبوا على سؤال من هو الإنسان ؟ بمعنى هل هو مخلوق لإله لغاية أم هو مخلوق سدى أو نتاج عشوائية ؟ فإنه دون الإجابة على هذا السؤال تصير عامة التنظيرات الأخلاقية تخرصات تقنع ولا تمكن أو تمكن ولا تقنع والذي يفعله الكثير من الحقوقيين في بلداننا وغيرها أنه يتبنى مذهباً من مذاهب الفلسفة الأخلاقية ثم يحاكم إليه الدين وهذا بحث بالمقلوب فلا يمكن الخروج بنظرية صحيحة حول الأخلاق عند البشر قبل معرفة من هم هؤلاء البشر ولماذا هم هنا وإلى أين سيذهبون ؟ والمشكلة كثير من فلاسفة الأخلاق يناقشون حجج اللاهوتيين بسطحية ثم يسيطر عليهم شعورهم بالخوف من تبعات التسليم لها وأثر ذلك على نظرياتهم ثم كثير منهم يعول على الفطرة في تحديد بعض الأمور ويتناسى أنه ابتعد عن فطرية العبودية لله عز وجل وكابرها ولو نظرت في كلام العرب في الجاهلية في المروءات مما كان يمدح به الشعراء لوجدت بعدًا أخلاقيًا عمليًا عاليًا لا يوجد في فلسفات القوم فما بالك بالأمر بعد تكميل الإسلام ومن نظر في الأمرين فهم ما أعني.