اعتراف هام للشرواني في أمر القبور ( وفوائد أخرى )
اعتراف هام للشرواني في أمر القبور ( وفوائد أخرى )
قال عبد الحميد الشرواني الشافعي في حواشيته على تحفة المحتاج (3/176): "وذكر السيوطي في التوشيح على الجامع الصغير أنه استنبط بعض العلماء العارفين من تقبيل الحجر الأسود تقبيل قبور الصالحين انتهى. اهـ. أقول في الاستنباط المذكور مع صحة النهي عما يشعر بتعظيم القبور توقف ظاهر ولو سلم فينبغي لمن يقتدي به أن لا يفعل نحو تقبيل قبور الأولياء في حضور الجهلاء الذين لا يميزون بين التعظيم والتبرك والله أعلم".
أقول: نعم قد صح النهي عما يدعو لتعظيم القبور فالأمر ليس توقفا بل جزم بأن هذا منهي عنه ولا ينبغي.
قال ابن الجوزي في كشف المشكل من حديث الصحيحين: "وأما نهيه عن اتخاذ القبور مساجد فلئلا تعظم، لأن الصلاة عند الشيء تعظيم له، وقد أغرب أهل زماننا بالصلوات عند قبر معروف وغيره، وذلك لغلبة الجهلة وملكة العادات".
قال عبد الرزاق في المصنف: "6495 - أخبرنا النعمان بن أبي شيبة قال: توفي عم لي بالجند فدخلت مع أبي على ابن طاوس، فقال: يا أبا عبد الرحمن: هل ترى أن أقصص قبر أخي؟ قال: فضحك وقال: سبحان الله يا أبا شيبة، خير لك ألا تعرف قبره إلا أن تأتيه فتستغفر له وتدعو له، أما علمت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قبور المسلمين أن يبنى عليها أو تجصص أو تزدرع، فإن خير قبوركم التي لا تعرف».
فطاووس يرى أنه خير لقبر المسلم ألا يُعرف.
وتجد في العديد من الكتب المذهبية المتأخرة عكس هذا، فتجدهم يقولون باستحباب زيارة النساء لقبور الأنبياء والأولياء مع كراهية زيارتهن لغيرها.
وتجدهم يخصصون قبور الأولياء بأحكام خاصة مثل تعيّن الكتابة عليها ومعرفتها، وكل ذلك خلاف السنة ولا أصل له في كلام المتقدمين.
جاء في كتاب نهاية الزين لمحمد بن عمر نووي الجاوي: "واستثنى بعضهم قبور الأنبياء والشهداء والصالحين ونحوهم، ولو كان بقبة لإحياء الزيارة والتبرك بهم وأفتى به الحلبي وقال أمر به الشيخ الزيادي مع ولايته، وكل ذلك لم يرتضه العلامة الشوبري وقال الحق خلافه".
أقول: ما قاله الشوبري هو المطابق لكلام المتقدمين، ولهذا الفقه المذهبي المتأخر ليس مطابقا لكلام الأوائل في كل شيء، بل هناك فروع تم اختراعها ووجد في المتأخرين من ينبه على هذا، وهذه الفروع محدثة لا تختلف عن أخطاء غير المذهبيين ممن خالفوا اتفاقات خفية أو مسائل ذات أدلة دقيقة، بل هذه الفروع أخطر لأنه يروج لها بشفاعة أسماء الأئمة وفيها من البلايا ما فيها.
وغاية المذكور عن بعض المتقدمين زيارة القبور وأشد ما وقع لبعضهم دعاء الله عندها، وأما التمسح فضلا عن دعاء أهلها فهذا لم يقع في المتقدمين.
قال ابن أبي يعلى في الروايتين والوجهين: "ونقل الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قبر النبي صلى الله عليه وسلم يُمس ويُتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقيل له رأيت من أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون ويقومون ناحية فيسلمون. قال أبو عبد الله رحمه الله نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. وهذه الرواية تدل على أنه ليس بسنة وضع اليد على القبر".
فهذا في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بالأولياء؟
وقال محمد بن يوسف التونسي وهو صوفي في كتابه الأجوبة الشامية: "وفي الإحياء للعلامة الغزالي: مس الشاهد وتقبيلها عادة اليهود والنصارى، وقال الزعفراني: وضع اليد على القبر ومسه وتقبيله من البدع التي تنكر شرعا، وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى رجلا وضع يده على القبر المكرم فنهاه، وقال: ما كنا نعرف هذا ولا يلتفت إلى بعض من يترخص في مثل هذا لما علمت من كلام من يوثق بعلمهم ودينهم والله الهادي إلى سواء السبيل".
=