هو إفساد وإن أسميتموه إصلاحًا..
هو إفساد وإن أسميتموه إصلاحًا..
اليوم إذا توجهت بعض السلطات إلى الليبرالية وفرض النظرية الجندرية تجد الغربيين يصفون هذه الممارسات بـ(الإصلاحات).
هذا ذكرني بقوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تُفسِدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة]
قال ابن تيمية في الإيمان: "وهذا أيضًا عام كالأولين. وقولهم: {إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] فسر بإنكار ما أقروا به أي: إنا إنما نفعل ما أمرنا به الرسول. وفسر: بأن الذي نفعله صلاح ونقصد به الصلاح وكلا القولين يروى عن ابن عباس وكلاهما حق فإنهم يقولون هذا وهذا، يقولون: الأول لمن لم يطلع على بواطنهم. ويقولون: الثاني لأنفسهم ولمن اطلع على بواطنهم. لكن الثاني يتناول الأول، فإن من جملة أفعالهم إسرار خلاف ما يظهرون وهم يرون هذا صلاحًا قال مجاهد: أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد".
تأمل المنقول عن مجاهد (وقد نقله الشيخ عن زاد المسير): "أرادوا أن مصافاة الكفار صلاح لا فساد".
وهذا هو حالهم اليوم، يصافون الكفار ويقتدون بهم، تارة باسم الإنسانية وتارة باسم المدنية وتارة باسم الترفيه وتارة باسم طلب التقدم.
وهذا كله يقال فيه {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}، فهذا يترتب عليه فشو الفواحش وانتشار الفتن والعداوة والبغضاء والأمراض النفسية والبدنية والتفكك الأسري، وغيرها من البلايا الشيء العظيم..
فالمنافقون قديمًا وحديثًا لا يريدون من مصافاة الكفار مجرد المعاملة بل يريدون دخول أخلاق الكفار وبلاياهم على أهل الإسلام، ولا يزال أهل الإسلام بخير ما تعاملوا بتحفظ مع القوم.
قال الخلال في أحكام أهل الملل: أخبرنا المروذي قال: سألت أبا عبد الله عن اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم؟ فغضب غضبًا شديدًا، وقال: هذِه مسألة قذرة لا يتكلم فيها.
قلت: فأُنكر على من قال ذا؟ قال: هذِه مسألة قذرة جدًّا لا يتكلم فيها. وعاب أبو عبد الله على من تكلم فيها.
وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن بحر قال: حدثنا يعقوب بن بختان أنه سأل أبا عبد الله عن اليهود والنصارى من أمة محمد هم؟
فغضب غضبًا شديدًا وقال: يقول هذا مسلم؟! أو كما قال.
وقال: أخبرني محمد بن عبد الله بن إبراهيم أن أباه حدثه قال: حدثني أحمد بن القاسم، وأخبرني زكريا بن الفرج عن أحمد بن القاسم قال: ذكرت لأبي عبد الله من يقول: إن اليهود والنصارى من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وقال: وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر: أن أبا الحارث حدثهم -ولفظ بعضهم في بعض قال: سألت أبا عبد الله عن اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أم لا؟ فإن قومًا قد اختلفوا فيهم.
فقال: أي شيء هذا؟! منكرًا للمسألة وغضب.
أقول: هذه المسألة يتكلم فيها المتأخرون فيقولون إن اليهود والنصارى والمجوس من أمة الدعوة ويستدلون بحديث "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني" ويقولون إن أمة الإسلام هي أمة الإجابة كالوارد في حديث "تفترق أمتي".
غير أن الإمام أحمد رحمه الله كان عظيم الفقه جدًّا، فحديث "من هذه الأمة" ليس نصًّا في أنه قصد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما قد يكون يريد أهل الكتاب.
ثم أمة الدعوة تشمل كل من ليس مسلمًا فما وجه تخصيص اليهود والنصارى، فلعل هذا وجه غضب الإمام، ورأى أنه باب لمقالة سوء، وقد كان ما خشي منه أحمد، فوُجِد من يقول بنجاة اليهود والنصارى وأنهم لا يلزمهم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور الأمر إلى الترحم على الملاحدة والزنادقة.
وما حديث البيت الإبراهيمي عنا ببعيد، فمبدأ الكلام عن اليهود والنصارى والذي يُراد حقًّا إسقاط الخصوصية الدينية والولاء والبراء والاستعلاء بالحق مطلقًا.