=
=
ثم يقول جان في المقال نفسه:
"كان فلاسفة عصر التنوير يمتلكون مواردَ تنقصنا. كان باستطاعتهم الرجوع إلى طبيعة بشرية ثابتة ودائمة، لا تتأثر بالتبدلات الناجمة عن الأعراف أو الانفعالات الآنية أو المتاجرة. هكذا كان هلفيسيوس (Helvetius) وكوندورسي (Condorcet) وفولتير ينظرون إلى التقلب. إنه، كما يقول هلفيسيوس، أحد تجليات ذوق العصر الذي "يستبدل باستمرار أمرًا مضحكًا قدیمًا بأمر مضحك جديد". ليس من السهل علينا اليوم تبديد شكوكنا.
فإذا كان اعتماد نظام البورصة في القيم، كما يوحي بذلك فاليري، يلوِّث کل قيمنا ويتحوَّل إلى نمط تتجلَّى من خلاله القيم في عالمنا، سواء كانت قيم الفن أو الأخلاق أو السياسة، فإننا نخسر أيضًا كل المرجعيات المعيارية التي كانت تحمل التحرر أحيانًا، والتي كانت تؤمِّنها فكرة الطبيعة البشرية أو القانون الطبيعي. إن الموضة بالمعنى الحاد للكلمة، أي الوقع الإعلامي الصاخب أيضًا أو الظرف المالي الضاغط، وكل ما يتعلَّق بالمزايدة وتحديد السعر الآني، لم تعد أمرًا هامشيًّا، وإنما تحوَّلت إلى النمط الوحيد للعيش، في عالم سِمته التجميل التسويقي للقيم الذي ينحو باتجاه سيطرة العابر والمتقلّب.
لكن لا بد لنا من الاعتراف بأن هذا التجميل وهذا الانتشار لنموذج البورصة الذي يبدو كأنه يحرم القيم من أي أساس، يشكِّلان الرد وهما يستتبعان حرية واسعة، وتحررًا غير محدود في نظام حياة اجتماعية يعتمد على الديمقراطية كمبدأ أساس، وحيث لا يفرض مُسبقا أي أمر يتعلَّق بالتوجهات الممكنة للرغبة الإنسانية وللتجديد المبدع. إن المقولة المعروفة لرجل الاقتصاد جان-باتیست ساي (Jean - Baptiste Say) «العرض يسبق الطلب» تؤذن بانبلاج عالم هو عالم اليوم، عالم حيث يتصوَّر حتى المقاول -وهو أكثر توترًا من الشاعر الأكثر سريالية ومبتدعٌ لابتكارات غير متوقعة تستثير الرغبة".
أقول: "يستبدل باستمرار أمرًا مضحكًا قديمًا بأمر مضحك جديد" هذه خلاصة تقلُّبات الإنسان الحديث المحلِّقة وحلوله الفتاكة العجيبة، هو هنا يتألم أن المعيار صار نفعيًّا كالبورصة التي ترتفع فيها قيمة الأشياء بحسب العرض والطلب، ولكن البورصة تتأثر بأشياء كثيرة وهكذا القيم الحديثة، ولهذا ستختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ومن شخص إلى شخص، ولهذا قد يتصارع اثنان ويختلفان ويكون كلٌّ منهما يطبِّق قيمَه ولا يوجد فيهما حق ولا باطل، فمثلًا معيار "خدمة الوطن" قد يؤدِّي إلى صراع بين اثنين كلٌّ منهما يريد خدمة وطنه عن طريق الإضرار بوطن الآخر، وكلاهما على صواب، ولا يمكن أن تَنهَى أيًّا منهما أو تبطلَ موقفه وفقًا لأي معيارٍ متسامٍ، فكلها حُطِّمت، وهكذا يصير الوضع أسوأ من غابة!
ويقول أيضًا في المقال نفسه شارحًا المعضلة أكثر:
"من الواضح أن عالمًا تصبح فيه للقيم تسعيرة، يُخشى ألا يقدِّم سوى قيم عبثية، وغير مستقرة، مرتبطة بشكل أساسي بظروف البحبوحة والرخاء، أو أكثر من ذلك أيضًا بالتمييز بين الغنى والفقر؛ إنه عالم ينقصه أي بُعد شمولي. مع ذلك فإن المشهد المحموم والفوضوي للبورصة، وللموضة أو لوسائل الأعلام، ليس ربما إلا قشرة خارجية برَّاقة لا تستأثر، بالرغم من تأثيرها، بالنواة الصلبة للظواهر التاريخية والاجتماعية الكبرى.
وكما نُبرز غالبًا التعارض بين الاقتصاد التقديري أو الفرضي والاقتصاد الواقعي، وهو تعارض يحتاج بكل حال إلى إعادة نظر، فإنه توجد أيضًا حالة من عدم الاستقرار، و حتى من الهشاشة عائدة للقيم الجمالية والأخلاقية، التي ليس لها ربها سوى مفعول الطفرة. إن حصول أحداث كبيرة غير متوقعة مثل شبح الحرب والقحط يعيد بسرعة ترتیب هرمية القيم التي كان المنحی الافتراضي يسعى إلى تبديدها، كما يسعى الاقتصاد الواقعي البطيء في حركة تحوله، وغير القابل للتصدُّع إلى "تصحيح" الظواهر المفرطة في السوق التي توصف بأنها لاعقلانية".
=