أخبرني بعض الأخوة أنه صار من الاستدلالات الدارجة عند أدعياء التنوير لتجويز العمل
أخبرني بعض الأخوة أنه صار من الاستدلالات الدارجة عند أدعياء التنوير لتجويز العمليات التجميلية مطلقا ولو بدون ضرورة القول بأن المانعين متناقضون لأنهم يجيزون صبغ اللحية وهذا من تغيير خلق الله فلماذا يعللون المنع بأنه تغيير لخلق الله ؟
والمثير للغثيان أن هؤلاء لا يستدلون من منطلق منهجية علمية وإنما فقط تبرير لأهواء مستوردة ، ومجرد دعوى تناقض الخصم لا يعني أن قولك صواب
وفِي الحقيقة هم فتحوا لنا بابا لبيان أهمية السنة النبوية وأنه من يقتصر على القرآن فقط دون الرجوع للبيان النبوي - الذي أرشد القرآن إلى اعتماده - سيقع في مآزق
العمدة في النهي عن تغيير خلق الله ليس حديثا في البخاري أو في مسلم بل هو آية قرآنية :( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا )
فهذا وعد الشيطان والنص عام أنه توعد أن يأمر الناس أن يغيروا خلق الله والنص عام
فإذا لم نرجع لبيان السنة فسنحرم قص الأظافر وحلق العانة والختان وغير ذلك من المعاني لأنها يمكن أن يفهم بعض الناس أنها تغيير لخلق الله فقص الأظافر أبلغ في التغيير من من مجرد صبغ الشعر
ولكن حين رجعنا إلى السنة علمنا أن هذا التغيير من الفطرة وليس هو الذي قصده الشيطان بوعيده فلا مناص من الإقرار بتخصيص السنة لعموم القرآن وهذا الأصل الذي ينفر منه عامة أدعياء التنوير
فما الذي قصد الشيطان ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله. متفق عليه
وحال ( المتفلجات للحسن وهن اللواتي يفرقن بعض أسنانهن ) أقرب ما يكون لعمليات التجميل التي يكون المقصود منها ( الحسن ) يعني الجمال
وعليه من يجيز الخضاب بالسواد ( ولا أقول بقوله إلا في الحرب والا فهو منهي عنه ) يمكنه أن يجيب على اعتراضهم أن الخضاب بالسواد أبيح في الشرع ما هو من جنسه مثل الحناء والخضاب بالحمرة والصفرة بخلاف عمليات التجميل فقد نهي في الشرع عما هو من جنسها
فإن قيل : ما الحكمة في التفريق بين هذه الأمور مع أن اسم التغيير يشملها ؟
فيقال : ليس من شرط الامتثال فهم الحكمة تفصيليا فالمسلم مأمور بالتسليم فحسب غير أننا نقول تفقها
المتأمل في صور التغيير المنهي عنها يجدها إما تتضمن معنى تغيير العضو عن بنيته الأصلية- دون نماء يعقبه- كنوع من الاعتراض على أصل الخلقة أو تشبها بالجنس الآخر أو ما يحتمل تغريرا للرائي ( لهذا لا يختلفون في النهي عن النمص للمخطوبة والخضاب بالسواد للخاطب لما فيه تغرير ) أو نوع من الاعتراض على الجنس فيتشبه الرجل بخصائص النساء والنساء بخصائص الرجال لذا حلق اللحية في الرجال شديد وحلق الشعر تمارس في النساء شديد أو اعتراض على تقدم السن ولهذا الخضاب بالحمرة لا يأخذ معنى الخضاب بالسواد فهو تغيير للشيب ولكن لا يفيد تصغير السن على أن كثيرا من الفقهاء أباحوا للمرأة الخضاب بالسواد لزوجها وجعلوه من جنس الخضاب بالسواد للجهاد اذ في الأمرين مصلحة راجحة ومع ذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عدم الإذن لمن أرادت أن تصل شعرها لزوجها لعدم وجود الحاجة الملحة ولأن الوصل فيه تغيير لأصل شكل العضو بخلاف مجرد الخضاب فإنه تغيير للون فحسب وقد يكون هذا من تطبيقات قاعدة ما حرم سدا للذريعة يباح للحاجة فيقال هذه منع منها لداعي التغرير وهنا أبيحت لمصلحة راجحة غير أن هذه القاعدة لا ينبغي أن تفهم بمعزل عن قاعدة في أزمنة الفتن يقوم سد الذريعة وقاعدة المعلل بالمظان لا يزول بزوال علته ولا يخوض في هذا من لا يعرف الفرق بين العلة المركبة والعلة البسيطة وإنما يتمسك المرء بظواهر النصوص وفقا لفتاوى الأكابر فحسب