كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الباقلاني مسبوق بهذا الإلزام

المصدر
الباقلاني مسبوق بهذا الإلزام قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (13/12) في ترجمة الباقلاني: "وقد سار القاضي رسولا عن أمير المؤمنين إلى طاغية الروم، وجرت له أمور، منها أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك، ففطن لها القاضي، ودخل بظهره. ومنها أنه قال لراهبهم، كيف الأهل والأولاد؟ فقال الملك: مه! أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا؟ فقال: تنزهونه عن هذا، ولا تنزهون رب العالمين عن الصاحبة والولد!". أقول: هذا الإلزام المروي عن الباقلاني المتوفى عام 403 روي عمن هو أقدم منه. قال المحسن التنوخي (المتوفى: 384هـ) في كتابه الفرج بعد الشدة في قصةٍ طويلةٍ قصةِ قباث اللخمي وأسر الروم له: "قال قباث: فلمَّا دخلت على الملك، استدناني، وقربني، وأكرمني، وقال لي: ناظر هؤلاء البطارقة. فأعلمته، أَنِّي لا أرضى لنَفسِهِ بمناظرتهم، وأَنِّي لا أناظر إِلا البطريق الأكبر، فأَمر بإحضاره. فَلَمَّا دخل، سلمت عليه، وَقلت له: مرحبًا أيها الشيخ الكبير القدر. ثم قلت له: يا شيخ، كيف أَنت؟ قال: في عافية. قلت: فكيف أحوالك كلها؟ قال: كما تحب. فقلت له: فكيف ابنك؟ فتضاحكت البطارقة كلها، وقالوا: زعم البطريق، يعنون الذي هو صديقي أَن هذا أديب، وأن له عقلا، وهو لا يعلم بجهله، أَن الله تعالى قد صان هذا البطريق عن أَن يكون له ابن. فقلت: كأنكم ترفعونه عن أَن يكون له ابن؟ قالوا: إِي والله، إِنَّا لنرفعه، إِذْ كان الله رفعه عن ذلك". قباث اللخمي من كبار أتباع التابعين من أهل مصر، وخرج النسائي حديثه وعدله أحمد وأبو حاتم. غير أن التنوخي لم يورد إسنادًا معتبرًا للقصة، وهو نفسه لا يعتمد، غير أن ذكره للقصة يدل على أنها متداولة في تلك الأيام مع كون التنوخي أقدم ميلادًا ووفاة من الباقلاني (والله أعلم بحدوث القصة مع الباقلاني أصالة) (وقد نبه ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة قباث على أنه سبق الباقلاني). وهذا الإلزام أصله مستفاد من كتاب الله عز وجل: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل] هذه الآية نزلت في المشركين الذين يكرهون البنات ثم يصفون الله عز وجل بأن له بنات، ومثلهم الرهبان الذين يجعلون لله الولد ثم ينزهون أنفسهم عن ذلك. وهذه هي أحسن الإلزامات العقلية، تلك التي تُنسج على منوال النصوص، لا كما يفعل أهل الكلام حين يتحدثون عن دليل الحدوث ودليل الإمكان ثم أول ثمرات هذا الدليل استشكال ظواهر النصوص واعتقاد أنها كفر. ولو قلتَ إن كلام شيوخهم ظاهره الكفر أو إن كلامهم لا يفي بالغرض للرد على الملاحدة لغضبوا، ثم هم لا ينزهون كلام الله عما ينزهون عنه كلام شيوخهم.