مبالغة أم يقظة !
مبالغة أم يقظة !
المنظومة الفكرية الغربية هي منظومة مقابلة للمنظومة الإسلامية ، تختلف معها في الأساس في الأجوبة على الأسئلة الوجودية لهذا من الطبيعي أن تختلف معها في النتائج ، ولهذا تجد الغربيين يستشكلون العديد من الأحكام الشرعية لأنها ليست مبررة وفقا لمنظومتهم الفكرية ، وأيضاً يستشكلها التابع لهم عندنا وإن كان يزعم أنه مسلم
وعند وجود منظومتين متقابلتين فإن الصراع بينهما بدرجة من الدرجات أمر حتمي ليس بالضرورة يكون صراعاً عسكرياً في كل حين ، ولكن لا أقل من التنافس على قلوب الخلق
وهذه المعركة الفكرية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية أي غفلة منك للخصم قد تؤدي إلى هزيمتك في المعركة
وأولى درجات الهزيمة غفلتك عن كون عدوك هذا عدواً وأن له منظومة فكرية مقابلة هذه المنظومة إما أن تكون حقاً أو يكون دينك حقاً لا سبيل لخيار ثالث ولهذا في سورة الفاتحة التي نقرؤها كل يوم لم يقف الأمر عند ( اهدنا الصراط المسقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) بل تم التنبيه على ضرورة الاحتراز من المنظومة الفكرية المقابلة فقال تعالى : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
ودرجة من أهم درجات الهزيمة وأخطرها وأمضاها طلبك لرضا هذا الخصم بطريقة أو بأخرى بحجة التعايش أو غيره أو الواقعية
فمجرد كونك ترى وفاق قوله مرجحا من المرجحات لك في بحثك الفقهي فهذا معناه أن الهزيمة بدأت وأنك عما قريب ستتنازل عن عموم منظومتك إلا شيئاً يسيراً ، ومنهم من يخدعك فيقول القول الفلاني هو ( الأيسر ) أو ( الأرفق ) فإذا فتشت الأيسر والأرفق عنده وجدت أنها ( الأكثر وفاقاً للمزاج الغربي ) ولا يصلح أن تتحاكم في الفروع لمن يخالفك في الأصول فقد يكون ترجيحه للقول الفلاني ناشئاً عن أصل أنت أصلاً تخالفه
فعلى سبيل المثال هم في قضايا المرأة لا يتحرزون من الزنا بالتراضي لذا في عموم منظوماتهم التي يتم استنساخها عندنا تم إعداد هذه المنظومة بحيث لا تكون طاردة للفاحشة بل وميسرة لها لهذا صار من الطبيعي عند مقلديهم عندنا أن يشترطوا على المرأة عدة اشتراطات تتعلق بلباسها وشكلها عند قبولها ، وعليه فقبولك كلامهم أو الاستئناس لرأيهم في هذا الباب غفلة فجة كأنك تأتي إلى بلاد يفشو فيها الخمر لأن أهلها لا يرون بذلك بأساً ثم تقول الأرفق في هذه البلاد إجازة النبيذ المختلف فيه والذي يسكر كثيره قطعاً مرحلة النبيذ المختلف فيه لن تكون إلا مرحلة للسكر الصريح
والأمر نفسه فيما يصنعه بعض فقهاء التيسير في أمر المعاملات المالية التي هي في واقعها حيل على الربا تقوم بها مؤسسات هي قائمة على الربا الصريح أصالة فيأتي ويبيح هذه الأمور متحاكماً إلى ما يراه أيسر وهذا الأيسر صار أيسر لأنه يقبل به الربويون الصرحاء
وهذا المسلك مع ما فيه من ضعف الرأي له أثر سلبي جداً في تأخير الحلول الشرعية المناسبة وإدراك عمق المشكلة بل تعايش مع الباطل حتى يقع الناس في الشر الصريح
وتأمل قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا )
هنا يعلم الله أهل الإيمان اليقظة لا ما يسميه بعض المتهتكين من المابعديين والخلوف المتأثرة بهم ( مبالغة ) فالمؤمنون إذا قالوا ( راعنا ) لا يريدون شراً ولكن اليهود يقولونها ويريدون سب النبي صلى الله عليه وسلم بلغتهم فنهاهم الله عز وجل عن التشبه الظاهري به لأنه يطرق اليهود على أهل الإيمان مع أن الصحابة ما أرادوا شراً بهذا وهذه هي اليقظة لخطورة المنظومة المقابلة ومكائدها
فقولك في منظومة مقابلة لمنظومتك ( فيها خير وشر ) محض لغو فنحن نعلم أن كل منظومات الدنيا فيها خير وشر ونؤمن أن شريعتنا مهيمنة على كل ما سبقها فكيف بنتاج عقول البشر وأهوائهم ، وحملتك على القول الذي يخالف الثقافة الغالبة يبين أنك ما رجحت خلافه إلا خضوعاً لهذا المفهوم
والغرب عندهم حيلة تمضي على كثيرين ألا وهي أنهم يأتون إلى عنوان جذاب يحتوي على عناوين منها الحق ومنها الباطل ويخيرونك بين قبولها كلها أو اطراحها كلها
فمثلاً يقول ( العلم ) ويقصدون به العلم التجريبي ويخلطون بينه وبين الفلسفة المادية ويجعلون كل إنجاز للبحث التجريبي الذي يقربأصله عامة البشر على اختلاف عقائدهم يجعلونه إنجازاً للفلسفة المادية
فمثلاً حين يكتشفون ثقباً أسوداً أو أشعة الجاذبية هذا في واقعه يعضد النظرة الإيمانية للكون المضبوط بقوانين وبجدوى الاستدلال بالشاهد على الغائب بل وبكون موقعنا في الكون مميز جداً يمكننا من الرصد فجأة يأتي من يظن أن مثل هذا الأمر سواء أقررنا بصحته أم لم نقر عاضداً للفلسفة المادية !