كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب عقل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد

المصدر
في رحاب عقل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد في حديث بدء الوحي في الصحيحين تقول خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم : ( والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ) في هذه الكلمات على يسرها فقه عظيم ورجاحة عقل لا نظير لها غير أنني قبل الحديث عما في كلامها أنبه على أن هذا الحديث من رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فما شدة غيرتها من خديجة ( ومثل النبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه يغار عليه ) حدثت بهذه القصة وما فيها من مناقب لخديجة ودلالة على رجاحة عقلها وهذا من عظيم إنصافها رضي الله عنها فعامة فضائل ضرائرها رويت من طريقها على ما شرحت في مقالي ( سلامة صدر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ) خديجة مع أنها ما عرفت الإسلام بعد كلامها كان منطلقه ( حسن الظن بالله ) وأنه لا يخيب عبداً له سار على ما يرضى وليتنا نعتبر بهذا ونترك آراءنا ونسلم للوحي ونعلم أن الله عز وجل لا يخذل من سار على وحيه وما أصابنا شيء إلا بالغفلة عن هذا والركون إلى آرائنا على حساب الوحي وتأمل ما مدحته به مدحته بالسخاء والإعانة على الحق والعرب تتمدح بهذه الأمور لشدتها على النفوس فإن الكرم يتقيه كثير من الناس خوفاً من الفقر وكما قال المتنبي لولا المخافة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال والعرب كان تسود عليها من يرونه يقدم الفضيلة على المصلحة لهذا قيل في تفسير ( وسيدا وحصوراً ) حليماً وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ابنه الحسن ( إن ابني هذا سيد ) لأنه سيتنازل عن حقه لمصلحة اجتماع المسلمين ومع الأسف مع طغيان العقلية التغريبية صارت هذه الأحوال غريبة حتى أنك لتجد بعضهم يذم السخاء لا من منطلق ذم التبذير وإنما منطلقات فردانية محضة فإن قلت : قد كان كثير من العرب أهل سخاء طلباً لمديح الناس فلماذا حملت خديجة فعل النبي صلى الله عليه وسلم على رجاء ما عند الله ورجت العقبى منه سبحانه فيقال : النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا الأمور ويعتزل مجالس الناس التي يحضرها الشعراء لاختلاطها باللهو والخمور ويقبل على العزلة في حراء فدل على أن فعله كان رجاء شيء آخر ما ترجوه العرب عادة بمثل هذه السلوكيات وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على الضعفاء مشهور عنه قبل نبوته وبعدها ففي ذلك يقول عمه أبو طالب يمدحه وأبيض يستستقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وبعد النبوة استحال هذا من سلوك فردي للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى سلوك جمعي لأمته المعظمة له المكبرة لشأن الاقتداء به ويكفيك فريضة الزكاة وما فيها من الخير على كل ضعيف فكيف ببقية الشرائع وفي الحديث ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ) وفرق بين أصابعه وذلك أن اليتيم ذهب من يعوله ويكلؤه بالأدب والنفقة وقد كانت أمتنا أمية من علم الوحي وإنما كانت بقاياه في بني إسرائيل فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم والتزكية من الله تبارك وتعالى لهذه الأمة وكان يقول : ( إنما أنا لكم مثل الوالد ) فما من مسلم فقد أباه إلا كان في الأدب الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم تسلية وعزاء وعوض وفي وصاياه لأمته بالضعفاء مثل ذلك فلما كان كافل اليتيم ساعياً في هذا السلوك النبوي استحق القرب من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي الدين عن الميت وذلك من أبلغ رعاية اليتامى أن تسقط الحقوق عن أوليائهم فتتفرغ قلوبهم للكسب لمصلحتهم لا لمصلحة أصحاب الحقوق على الأولياء وخديجة في هذا الحديث جمعت أصول الاستدلال لصحة النبوة فالمصنفون في هذا الباب يعتمدون أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ويعتمدون البشارات في كتب أهل الكتاب مع مسالك أخرى وخديجة نبهت على أهم مسلكين للمصنفين في النبوات ذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم وذهبت لورقة تنبيهاً على أمر البشارات والتصانيف في ذلك كثيرة من أوسعها ما كتب ابن تيمية في الجواب الصحيح وتلميذه ابن القيم في هداية الحيارى وهناك ملخص للحافظ ابن كثير في الفصول من سيرة الرسول ومن كتب المعاصرين المتوسعة براهين النبوة للدكتور سامي عامري =