بين قصور العقل ونسبيته
بين قصور العقل ونسبيته
نسبية العقل تعني أَن العقل غير قادر على الوصول إلى أي حقيقة بشكل قطعي فكل ما يصل إليه العقل قابل للتغير مع مرور الزمن وتراكم الخبرات وتطور الذهن البشري وهذا هو القول الذي يلزم به التطوريون ويقال لهم ثبوت التطور يعني عدم ثبوته عن طريق إثبات أَن التطور يعني ضرورة- أو حتى بمسالك نظرية - نسبية العقل ونسبية العقل تعني عدم وجود أي حقيقة وبالتالي التطور ليس حقيقة ضرورة على أَن نسبية العقل متناقضة ذاتيًا فاعتبار النسبية حقيقة مطلقة تناقض ذاتي
وأما قصور العقل الذي نؤمن به فهو القول بأن العقل قادر على إدراك بعض الحقائق لا الإحاطة بها كلها أو أنه قادر على فهم الحقائق إجمالًا لا تفصيلًا فهو يجوز ويحيل ولكن ما الذي يقع من الجائزات هذا يحتاج إلى الحس والسمع - يعني النصوص -
فعلى سبيل المثال يجوز أَن يوجد في سالف الأزمان حيوان منقرض من صفته كذا وكذا ولكن تحقق وجوده مبني على الحس أو الخبر الصادق غير أَن العقل يحيل وجود بحر من الماء لا ماء فيه فإن هذا جمع بين النقيضين ، أو القول أم مخرجات العقل أنواع منها القطعي ومنها الظني وهذه كلها أمثال تدل على معنى واحد عند التأمل
وعامة المنحرفين يخلطون بين نسبية العقل وقصوره فتجدهم في السياقات التجريبية يقولون بنسبيته ثم في السياقات العالمانية التشريعية يقولون بمطلقيته ( يعني كماله وعدم قصوره ) ويظنون أنه إما إثبات النسبية أو إثبات المطلقية
والواقع أَن أي نقاش بين اثنين ينفي النسبية ويثبت القصور
فأنت لا تناقش أحدا لا يمكنك إلزامه بأي شيء ولا يقر بسببية ولا مبدأ عدم اجتماع النقيضين ولا غير ذلك فأنت هنا تقر بنقض النسبانية وحين تريد أَن تفهم صاحبك العاقل ما لم يصل إليه عقله أنت تقر ضمنا بقصور العقل مع مقدرته على معالجة بعض أشكال هذا القصور عن طريق التواضع والإنصاف فمجرد حضور العقل لا يعني مطلقيته
إذا فهمت موضوع قصور العقل وأنه لا يعني النسبية تفهم لماذا العقل بحاجة إلى الوحي في فهم تفاصيل الأمور مع مقدرته على الاستدلال على صحة الوحي بشكل قطعي فالعقل الذي صحح الوحي صححه لأنه قادر على الوصول إلى بعض الحقائق ثم سلم الوحي لأنه غير قادر على إدراكها جميعًا مثل مقدرتك على الاستدلال على أَن هذا الطبيب حاذق ولكنك لن تستطيع أَن تفهم كل ما يفهم هذا الطبيب لذا تسلم له في مجاله
التفريق بين حضور العقل ومطلقيته وبين قصوره ونسبيته
أمر يدركه جميع الناس ويمارسونه في حياتهم ولكن لا يحسنون التعبير عنه وإذا شككهم المشككون شكوا
قصور العقل يقتضي الافتقار إلى مصدر متعالي ومن هنا تأتي ضرورة الرسالات والتجريبيون مقرون بقصور العقل ولكنهم يسدون نقصه بالتجريب ولكن التجريب نفسه يعتريه القصور والتطور
هذا مع وجود الأهواء التي تقيد عمل العقل كما ينبغي فهوى الغني غير هوى الفقير وهوى المرأة غير هوى الرجل وهكذا فلا بد من مصدر متعالي على الجميع
وهذا الخلط الموجود عند الكثير من العالمانيين بين حضور العقل ومطلقيته هو الخلط الذي انطلق منه المتكلمون في قولهم إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل على النقل لأن صحة النقل بنيت على العقل
فجعلوا مجرد حضور العقل يعني المطلقية وبني على هذا الخلط أَن خلطوا بين ما تحيله العقول وما تحار فيه مع تجويزها له إجمالا فبين لهم شيخ الإسلام أَن العقل قاصر لهذا نتائجه تنقسم إلى قطعية وظنية وأن ما يزعمون معارضته لظواهر النصوص عامته ظني ومحل خلاف بينهم وجدل طويل وعامة العقلاء لا يدرونه حتى فالعقل الذي صحح الوحي يقتضي التسليم له في التفاصيل بينا في مثال الطبيب الحاذق مع أوجه أخرى في الرد
وكل من أنصف علم أَن ما من أصل من أصول الزندقة إلا وله حضور في كلام المتكلمين نعم قد لا توجد نفس الزندقة. بنصها في كلامهم ولكن الأصل الذي بني عليه البلاء تجده حاضرًا بقوة وأن محاولة دفع مثل هذا من المكابرة والإنصاف لا يرادف اللين والأحكام المخففة بل يرادف قول الحق
=