كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وقلة من أذكيائهم ينتبهون إلى هذا التجريد والتفكيك الذي أحدث الإشكالات يقول المجذوب :" والعجب كل العجب من ابن الباقلاني رحمه الله ينسب امر تفوق القرآن وإعجازه إلى دعوى وحجة من عند نفسه كما يتبادر إلى الذهن من قوله: «ليتبين ما ادعيناه» وإنما مراده -أو ما ينبغي ان يكون هو مراده- أن يقول «ليتبين صحة ما نعتقده، ونؤمن به». ذلك بأن حجة القرآن في أنه معجز مذكورة في آياته المحكمات، كقوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله} [يونس] وقوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود]. وقد أقر الكفرة من صناديد ملأ قريش بإعجازه، وحكى المولى سبحانه وتعالى ذلك عنهم في قوله تعالى: {إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر} [المدثر] وفي قوله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام] وكون القرآن معجزا بنظمه متضمن في قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة] وفي قوله تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين}. النظم يدخل في مدلول التفصيل، ولفظ النظم نفسه غير وارد في القرآن. وقال تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل} [الكهف] وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء] وإنما يكون بعضهم ظهيرا لبعض وإنما يعين بعضهم بعضا في هذا المجال لو جسروا على ذلك بتأليف ونظم. وقال تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [النحل]. وقال تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} [فصلت] وقال تعالى: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} [هود] وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر]. حصر معنى النظم في اللفظ ههنا غير صواب. وأصل النظم من نظم الخرز والعقود والعرب كانت مما تشتبه الكلام الحسن باللؤلؤ المتساقط من سلك النظام كقول أبي حية النميري. إذا هن ساقطن الحديث كأنه ... سقاط جني المرجان من كف ناظم وقال المخبل فشبه تساقط الدمع باللؤلؤ: وإذا ألم خيالها طرفت ... عيني فماء شؤونها سجم كاللؤلؤ المسجور أغفل في ... سلك النظام فخانه النظم حصر معنى النظم في جانب سرد الألفاظ وحدها غير صواب في ما نرى؛ لأن القرآن إنما راع العرب وأبلغهم الرسالة السماوية بنمط من أساليب بلاغتهم وبيانهم، ولسانهم ثم باين تلك الأساليب وذلك البيان شعره وترسله وسجعه بنهج قد تفرد به، لا يستطاع مثله، ولا يدرك سبره؛ لأنه معجزة ووحي من الله " وناقش كلام الباقلاني تفصيلاً وكان مما قاله ويفهمه القاريء المتوسط :" ومن عجيب مطعن ابن الباقلاني على امرئ القيس إنكاره تأنيث لما نسجتها وإنما تعلم أبو بكر النحو من النحاة وهؤلاء تعلموه من شعر امرئ القيس وكلام الأوائل وشواهد القرآن- وقد مر قوله «لم يعف رسمها» فقوله «لما نسجتها» به أشبه وله أوفق. ولو قال «لما نسجها» لكان في مكان يصلح له ذلك وجهه ولا معنى لتحجير الواسع مع الذي قدمنا ذكره من أن التأنيث ههنا أوجه وأصوب. وفي كتاب الله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} والتذكير هنا أقوى من التأنيث ومن سار على ظاهر كلام أبي بكر أوجب التأنيث ههنا. والتعدي على الأصول بالفروع جهل وفساد في الرأي. وما صح أنه عربي قديم فهو أصلي وشاهد ويبنى عليه ويقاس- وقس على ذلك كل ما زعمه أبو بكر خطأ في النحو أو العروض" اعتراض الباقلاني هنا يشبه قول بعض الزنادقة المتأخرين القرآن يخالف النحو وما علموا أن النحو وغيره وإنما يؤخذ من القرآن وكلام العرب في تلك الحقبة وما قاربها فما ثبت في القرآن فهو أصلي ومثل هذا النقد يقوي شبهة أبي حيان أن الباقلاني متأثر بكلام بعض الشعوبية إذ يشبه كلامهم في السماجة ولا نعني أن كل كلامه كذلك ففيه حق كثير ولكن نقصد المنهجية وما تخللها =