ليس من الضروري أَن تكون (رأس الحربة)!
ليس من الضروري أَن تكون (رأس الحربة)!
حين بدأت بالإهتمام بالملف الإلحادي خصوصاً وملف النوازل الفكرية عموماً تشرفت بالتعرف على عدد من العاملين في هذا المجال غالبهم من شمال إفريقيا ( مصر ودول المغرب )
كانت لهم مجموعات يلتقون فيها ويتبادلون المعلومات والفوائد والأخبار والتنسيق للنشر وغير ذلك
غمرني الأخوة بلطفهم واحتملوني كنت أفيد بما عندي في القضايا الشرعية وأحاول التعلم منهم في القضايا الجديدة علي فأسأل وأتابع وأنظر إلى مصادر المعلومات التي يأتون بها وأحاول أَن أنظر فيها بنفسي وأبحث عن نظائر لها أَجِد فيها فوائد من جنس ما يفيد به الأخوة
كنت تلميذًا في باب وأستاذاً في آخر
وكنت أحيانًا أكتب المواد وفي أوقات أخرى فقط أوفر مواداً جاهزة وقفت عليها وأعطيها للأخوة للترجمة أو النشر مباشرة إذا كانت مترجمة أصلاً أو كانت عربية أصلاً
وأحياناً كان يتم استدعائي في بعض النقاشات مع الشباب الذين عندهم شبهات لأدلي بدلوي
هذه التجربة علمتني شيئًا لم أتعلمه في محيط طلبة العلم المشحون بالتنافس والتأثر بكلام السلف ومواعظهم ضعيف فالناس في هذا المحيط يفضلون دائماً الجدليات على المواعظ وبها يتميز المرء ويشار إليه بالبنان
الذي تعلمته أنه ( ليس من الضروري أَن تكون رأس حربة ) !
وبيان الفكرة أَن في كرة القدم يكون هناك لاعب متميز في الغالب يكون الهداف ، هو فعلاً اللاعب الأكثر بريقاً في الفريق وهو الذي يأخذ حصة الأسد من التقدير ولكنه لا يمكنه اللعب وحده فكل عضو في الفريق يساعد معه بقدر
وبعضهم لا يكون متميزًا ولكن دوره مهم لتميز المتميز في أي مركز كان
وخذ مثال بناء البيت أيضاً فهناك مهندس وهناك عمال مختلفي الأعمال مكانتهم دون مكانته ولكن وجودهم ضروري لإتمام عمله
الذي رأيته في عملي مع هؤلاء الأخوة أنني كنت في كثير من الأحيان صاحب إفادات ثانوية ولكنني سعيد بها وأرجوها عند الله وأظن الأخوة انتفعوا بها كما انتفعت بهم
من الأمور التي كنّا نتوهمها أَن العمل الجماعي المثمر لا يكون إلا بتحزب وتكتل وأمير يأمر وينهى وحتى بعض التيارات التي تنكر هذا استبدلت الأمير بالشيخ فصار كثير منهم لا يصدر إلا عن رأي وبحجة احترام المشايخ دخلوا في التحزب نعم الشيخ له مكانته ورأيه ولكن كونك لا تصنع شيئًا إلا بإذنه أو لا تبحث أو تنشر إلا بإذنه وقد ينهاك دون أَن يُبين السبب فتقبل كلامه مطلقًا ( وقد رأيت هذا بنفسي ) فهذا عين التحزب الذي تهرب منه
وكنا نتوهم أيضا أَن هذه الأعمال لا بد لها من رأس حربة دائم والأمر ليس كذلك
هناك واردان متناقضان منعا الكثير من الشباب من الإنتاج الدعوي
الأول : دعوى عدم التأهل التام وهذا ربما يأتي من وهم الكمال فيظن أنه لا بد أَن يفعل الشيء على أكمل وجه أو لا يفعل وهذه مشكلة كبيرة في عقول الكثير من الشباب ولا يدرون أَن القوة تأتي مع الدربة وليس معنى هذا ألا يعتني بتأهيل نفسه ولكن لا يبالغ في الأمر حتى يكون متعلمًا وموهوبًا ولكنه لا ينتج وربما جاء هذا الوارد من كبر خفي في النفوس أَن تصاب في ذات الله بشيء فيسلي نفسه لهذه الحيلة وهو إنما يؤثر السلامة ويعلل بهذا حتى لا يعترف لغيره بالفضل عليه بل ربما انتقصه أو عرض به
الثاني : وهو الذي عليه الكلام أَن منهم من يريد أَن يكون رأسًا فلا يتحرك في أي مشروع إن لم يكن كذلك أو يؤمل أَن يكون كذلك في يوم من الأيام فإن أيس من ذلك فإنه لا ينشط مع إخوانه وعلاج هذا ألا يحقر من المعروف شيئًا وأن يعلم أَن الأمر ليس صناعة مجد شخصي بل تعامل مع الله تعالى وثمرته الأعظم تجدها في الآخرة
ولكن بعض المشاريع التي جعلت أعظم غايات المسلم صناعات مجد دنيوي سمحت بتسلل مثل هذه الأمراض إلى القلوب لأن المشروع صار حاكماً على الدين ومن خلاله نحدد ما ينبغي أَن نأخذ من الدين وما نترك والمجد الدنيوي حقًا إنما يدرك من طريق الآخرة وتقديمها وهذا هو السر العجيب الذي جهلوه.