=
=
ومن آخر ما وقفت عليه في ذلك محاضرة لرجل هندي يتحدث الإنجليزية أقام محاضرته على أَن الأصول التي اعتمدها ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل تصلح في الرد على العالمانيين والملاحدة وقد أجاد في بيان ذلك ولكنه في بداية المحاضرة زعم أَن رأس المتكلمين الذين يرد عليهم ابن تيمية هم من أهل السنة ولا أدري أي سنة يقصد
وإذا كانوا من أهل السنة لماذا تتقاطع أصولهم مع أصول الزنادقة في كل زمان ومكان (والواقع أَن ابن تيمية كان ينص على أَن كلام الرازي فيه أصول الزندقة والإمام أحمد لم يقل علماء الكلام زنادقة عبثا ) تسطيح الخلاف في أَن زيدا أراد التنزيه وعمرا أثبت هذا كلام فارغ فالتنزيه محل وفاق بين المسلمين غير أَن الشأن في دعوى أَن النصوص ظاهرها التشبيه وأن التنزيه ما جاء إلا إجمالًا أو بنفي أمور لا خلاف في نفيها مثل النوم والندم وأن التنزيه التفصيلي في كلام اليونان ومن تبعهم وأن القرآن كتاب ضلال لولا هذه التمحلات التي تحرف ظواهره حتى يوافق كلام الفلاسفة حتى بلغ الأمر ببعض كبرائهم أَن يدعي أَن الأنبياء خاطبوا الناس على قدر عقولهم وأقروهم على التشبيه لأن عقولهم لا تفهم التنزيه
لو قال هذا الكلام حداثي يريد تحريف الشريعة لقامت الدنيا وما قعدت ولكن أَن يقوله من يسمونه سلطانًا للعلماء يهون الأمر عندهم وهذا الخبط والتناقض في الحالة العلمية بحجة دعوى الإنصاف أوقعت الظلم الشديد على كل من يريد طرد الأصول ومن فيه حرقة حقيقية على مقام الوحي لا حرقة مصطنعة لا تظهر إلا في سياق المشاريع السياسية الإصلاحية
وقد ذكر الشيخ في درء التعارض أَن فئة من المشتغلين بالحديث والفقه تبنوا عقائد المتكلمين على جهة التقليد وإحسان الظن بهم فأخذوا كلام المتكلمين أخذ المسلمات
وكثير من الشخصيات العلمية المنجزة التي أنجزت باعتباراتها المذهبية الفقهية من هذا النوع وهؤلاء عندي أبعد عن العذر من أولئك الذين نظروا في الكلام وتبحروا فيه فتسليمك للمتكلمين مع جهلك بحقيقة قوة مقالاتهم وردك لظواهر الوحي الذي تعرفه جيدا ومذاهب السلف وإجماعاتهم هو ترك للمعلوم إلى المجهول وإزالة لليقين بالشك وهذا صنيع يتنزه عنه أفراد العقلاء فضلا عن العلماء
ولهذا اشتد السلف عليهم ما لم يشتدوا على غيرهم فكل أهل الأهواء بلاؤهم في الخلط بين المحكم والمتشابه وأما هؤلاء فبلاؤهم في عدم اعتبار الوحي أصلا إذا ما عارضته ما يسمونه عقليات.