كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مقصد الاجتماع لا ينبغي أن يسقط الحقوق الثابتة..

المصدر
مقصد الاجتماع لا ينبغي أن يسقط الحقوق الثابتة.. قال تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}. هذه الآيات من المحكم في تفصيل علاقة أهل الإيمان مع بعضهم البعض نعم الاجتماع مطلوب ومرغب به وفي الشريعة تشريعات لا تدخل في الحصر في دعم هذا المقصد العظيم خذ مثلاً قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} وفي الحديث : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) وفي الحديث أيضاً : (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) وغيرها مما لا يحصى إلا بكلفة من النصوص غير أنه يلاحظ في الآية أن مقصد دفع البغي قدم على مقصد الاجتماع فأمر بقتال الفئة الباغية وجعل فيئها إلى الحق شرط في الإصلاح ولا يختلف العلماء أنه يجوز للمسلم أن يلجأ إلى القضاء إذا أكل حقه ولو كان الآكل لحقه أخاه أو أباه أو قريبه فضلاً عن أي مسلم ولو أدى ذلك إلى نفرة بينهما فإذا كان حق المخلوق قدم على الاجتماع لأن الاجتماع إنما شرع لحفظ الحق فما بالك بحق الخالق وحفظ الشريعة فلا يصلح أن تتكلم بالاجتماع وجمع الكلمة مع من يخالف الإجماعات القطعية أو النصوص الثابتة التي لا مدخل فيها للتأول السائغ بل هذا ينبغي أن يفيء فأصل الاجتماع ليتعاون المسلمون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) فكيف نجتمع على التغاضي عن المنكر أو التسامح في شأنه فإن قيل : ربما هذا التقرير فتح باباً للغلاة الذين يأتون إلى خلافيات سائغة فيرفعونها إلى درجة الخلافيات الشديدة التي فيها إنكار وربما جاءوا إلى فسق أو بدعة فألحقوه بالكفر دون سلف معتبر من أهل العلم وتأول سائغ فيقال : وإغفال هذا التقرير سيفتح باباً ( بل فتح وانتهى ) إلى التسامح في أمور العقيدة والإجماعات القطعية والتسامح مع تتبعي الأقوال الشاذة والرخص بحجة مصلحة الاجتماع والفئة الغالية موجودة ويرد عليها بالعلم فإذا كنا نرد على الفئة الغالية ونطمع أن تقنعهم الأدلة فكذلك نطمع في الآخرين وكما أنه يوجد عناد وهوى وجهل في الغلاة فكذلك يوجد عناد وهوى وجهل في غيرهم وأما إن كان البغي متبادلاً أو المسألة مشتبهة أو تنازل صاحب الحق عن حقه فهنا مقصد الاجتماع يبقى حاضراً بقوة غير أن حق الله عز وجل لا ينبغي أن يدخل في التنازل فهذا ليس لنا وكثيرون يخلطون بين المقامين مقام التنازل عن الحق الشخصي والتنازل عن ثوابت الوحي.