كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليس هذا بالرأي هذا رد على من خالف سنتي..

المصدر
ليس هذا بالرأي هذا رد على من خالف سنتي.. قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: "أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال نبأنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان قال نبأنا أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن قال سمعت محمد بن نصر الترمذي يقول: كتبت الحديث تسعا وعشرين سنة وسمعت مسائل مالك وقوله، ولم يكن لي حسن رأي في الشافعي. أنا قاعد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، إذ غفوت غفوة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. فقلت: يا رسول الله أكتب رأى أبي حنيفة؟ قال: لا. قلت: أكتب رأى مالك؟ قال: موافق حديثي، قلت له: أكتب رأى الشافعي؟ فطأطأ رأسه شبه الغضبان لقولي. وقال: ليس هذا بالرأي، هذا رد على من خالف سنتي. فخرجت على أثر هذه الرؤيا إلى مصر فكتبت كتب الشافعي". أقول: هذا إسناد صحيح لأبي جعفر الترمذي الفقيه الشافعي المعروف، وللخبر طرق عنه موجودة في مصادر عديدة وهو في الحلية لأبي نعيم من هذا الطريق، وقد سقط إسناده من بعض النسخ المطبوعة. الرؤى يستأنس بها إن كان في الأدلة والواقع ما يؤيدها، وليست حججاً مستقلة. وهذه الرؤيا فيها تنبيه عجيب في القول المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم في رأي الشافعي: ليس هذا بالرأي هذا رد على من خالف سنتي. وحقاً الإمام الشافعي بنى كتبه على الرد على أهل الرأي، وكل من خالف السنة أيا كانت درجة تأويله في هذا الخلاف، حتى أنه رد على شيخه مالك. بل من شدة تعظيمه للسنة له مسائل كثيرة يعلق فيها القول على صحة الحديث فيقول: إن صح هذا الحديث قلت به .فيحتاط لنفسه مع أنه لا يرى لهذا الحديث طريقاً صحيحاً يثبته الآن. وما كان معصوماً، وكان يقيس إن لم يجد حديثاً، وربما فاته أحاديث أو آثار للصحابة في بعض المسائل فجاء بعض من لم يفقه الأمر على وجهه وظن أنه صاحب رأي شأنه شأن من يقدم القياس على خبر الواحد أو يرد خبر الواحد إذا كان فيما تعم به البلوى أو غيرها من الأصول التي ناقضها الشافعي. وإن من المحزن حقاً أن يكون كثيرون ممن ينسب لهذا الإمام يرسخ هذه النظرة، ويسوي بين مذهب الإمام ومذهب من رد عليهم أصولاً وفروعاً يسوي بينهم وبين الإمام من كل وجه، ولا يلزم باتباع حجج إمامه القوية إذا كان المرء مقلداً لمخالفي الإمام ولو كان يفهم حجج الإمام ويبصرها. هذا الذي حصل للشافعي هو نظير ما حصل لابن تيمية إذ رد على الفلسفة المشائية وعلم الكلام، وبين عظيم ضرر ذلك على الملة، واجتهد في ذلك عمره. فجاء من لم يفقه الأمر على وجهه واعتبره متكلماً أو فيلسوفاً مشائياً، والواقع أن ما كتبه لم يكن فلسفة مشائية ولا علم كلام بل كان رداً على الفلسفة المشائية والكلام وانتصارا للسنة وأهلها. ومحاولة التسوية بين رجل اعتمد الكتاب والسنة ورأى ما سواهما باطلاً وآخرين رأوا علم الكلام هو باب الهدى لا تقل سوءاً عن التسوية بين أهل الرأي ومن رد عليهم من أهل الحديث، بل هذا أسوأ بكثير. ومن صور التسوية الجائرة أن الغزالي صنف كتاباً أسماه (إلجام العوام عن علم الكلام) يرى فيه أن العامة لا يصلح لهم علم الكلام (مع اعتقاده صحة نتائجه) فجاء قوم وطبقوا هذا المفهوم في (إلجام العوام) على علم الكلام وعلى من انتصر للكتاب والسنة والسلف ورد على علم الكلام كلهم عندهم سواسية ينبغي أن يبعدوا عن العوام. علماً الغزالي حين قال ما قال لم يمانع أن ينتقل المرء العامي الذكي من مرحلة العامي إلى مرحلة المتكلم الفاهم، وهم يحاولون اصطياد هذه العينة، غير أن من ينتصر للسنة على حساب علم الكلام لا يضر العامة وإنما يضرهم الكلام. ومن عجائب هذا الزمان أنك تجد بعض الناس يروج لدراسة المنطق بحجة أننا نريد فهم كلام ابن تيمية ثم لا تجد حماساً موازياً لتدريس كتب السلف الأثرية التي كان ابن تيمية ينتصر لمضامينها، فنحن فقط نريد أن نفهم من يرد عليهم ابن تيمية وأما من انتصر لهم فلا حاجة لنا بالأمر بقدر حاجتنا لفهم المردود عليهم! هل ترى أن الإمام الشافعي على سبيل المثال سيقول لتلاميذه إن أردتم فهم كلامي فاذهبوا وانظروا أول ما تنظرون في كتب أهل الرأي، أم أنه سيحثهم على كتابة الحديث والحرص على ذلك تأسيساً، ثم سيخبرهم بأصول القوم وكيفية نقضها قبل أن ينظروا إليها مباشرة، فما صنف للرد على المخالف ليس هو أول ما يخاطب به من سلم قلبه من الأدران التي أحاطت بقلب المخالف وتأمل هذه الثنائية: قوم يدعون الشباب المبتديء لدراسة علوم ليست من علوم أهل الإسلام بحجة فهم الرد على المخالفين قبل أن يتنقنوا العقائد الصحيحة ويفهموا ما بين أيديهم. وآخرون يريدون ألا تذكر الردود على المخالفين في زمن ينشط فيه المخالفون جداً بنصرة باطلهم وترويجه بين الناس. هذه الثنائية تضعف أهل السنة جداً وهي من المكر بهم، بل الذي ينبغي العناية بكتب المتقدمين من أهل الحديث التأسيسية والردود أكثر من غيرها ثم بعد ذلك يأتي النظر في كلام المخالفين، ومن تأهل لهذا ينبغي أن ينشر نتاجه بين الناس لحمايتهم من أهل الباطل خصوصاً في أزمنة نشاطهم.