خلق العفو (الورقة الرابحة المنسية)
خلق العفو (الورقة الرابحة المنسية)
روى البخاري في الأدب المفرد بسند قوي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول على المنبر: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال: والله ما أمر بها أن تؤخذ إلا من أخلاق الناس، والله لآخذنها منهم ما صحبتهم.
أقول: قوله تعالى: {خذ العفو} فسره كثير من المفسرين بأنه في الصدقة، أيْ خذ ما زاد عن حاجتهم، غير أن ابن الزبير كان يرى أن الآية في خُلُق العفو (أيِ التجاوز عن زلات الناس).
ويتعهد رضي الله عنه أن يعمل بذلك ما بقي بين الناس يتنازل عن حظ نفسه.
والذي يظهر لي أن هناك علاقة بين الصدقة وخلق العفو، فالصدقة تحامل على النفس وغلبة للطمع وبذل للخير للآخرين رجاء الثواب من الله.
والعفو تحامل على النفس وغلبة لخُلُق الانتقام وبذل للخير للناس رجاء الثواب من الله. ولهذا هو (صدقة بالعرض)، ولهذا أقدر الناس على العفو أسخاهم.
كثير من الناس الصالحين إذا وقعت له انتكاسة يتحير كيف يعود؟
ومن أيسر العبادات وأعسرها في آن واحد عبادة (العفو)، فإنك من الممكن أن تفعلها في أي مكان أو زمان، ولكنَّ لها ثقلًا على النفس.
غير أن هذا من أجل ما تتقرب به لله عز وجل وتصلح به ما فسد من قلبك، وذلك أن رب العالمين يحب العفو وقد أمر ملائكته بالاستغفار للمؤمنين.
وفي العفو عن الناس استغفار مبطن كأنك تقول: (يا رب عفوت عن عبادك لأجلك فاعف عني).
وداعي كتابة هذا بعض طلبات العفو التي تأتيني على الخاص وأحيانًا على العام، وذلك أن من سمت الساحة العلمية الفاشي عدم التثبت واستسهال البغي والكذب على الخصوم انتصارًا للشيوخ أو الإلف العلمي.
وأُشهِد الله أنني قد عفوت عن كل من أساء إليّ بغير وجه حق وأرجو ممن أسأت إليه أن يعفو عني، غير أن عفوي ليس كل شيء فهناك حق الله وهناك مَن تأذى بهذه السلوكيات غيري وكان ذلك سببًا في صده عن العلم أو نشره.
وأقبح ذلك ما كان متأثرًا ومحاكيًا للأداة الإعلامية العالمانية في تشويه المتدينين والتي ظهر أن كثيرًا من الملتزمين ابتلعها وصار يحسن محاكاتها.