كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ثلاثة مواقف عجيبة للصحابة في أمر الصدقة..

المصدر
ثلاثة مواقف عجيبة للصحابة في أمر الصدقة.. يتكلم الكثير من الوعاظ في أمر الصدقة، غير أنني أتعجب من إغفال بعض المواقف على شهرتها في الصحيح وعظيم تأثيرها في النفوس الموقف الأول: روى البخاري ومسلم عن أسماء رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير، فأتصدق؟ قال: «تصدقي، ولا توعي فيوعى عليك». هنا امرأة ليس لها مصدر دخل سوى ما يعطيه لها زوجها وما كان الزبير ثريًّا آنذاك، ومع هذا تسأل النبي صلى الله عليه وسلم (هل تتصدق)؟ أي مع قلة ما يدخل عليها؟ واليوم تجد الإنسان قد أنعم الله عليه بخير كثير ويبخل بالصدقة ويظنها خاصة بفاحشي الثراء ويظن أنه إن تصدق فقد اقترب من الفقر مع أنه ما نقص مال من صدقة. والأمر تجارة مع الله عز وجل وهي لا تبور، ومجتمع يفكر فيه الإنسان صاحب الدخل المحدود بالصدقة مجتمع لا يجوع فيه فقير إلا نادرًا جدًّا. الموقف الثاني: روى البخاري في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالصدقة، فيحتال أحدنا حتى يجيء بالمد، وإن لأحدهم اليوم مائة ألف. كأنه يعرض بنفسه». يقصد أبو مسعود الأنصاري أن أحدهم مع شدة حاجته يقتصد في نفقته حتى يفضل منها مد فيتصدق به. واليوم ما أكثر ما يذهب إلى سلة المهملات من الخيرات الوفيرة التي حُرِم منها الكثير من الناس، فلو أعطي مثل هذا للعمالة أو الفقراء لكان خيرًا، وتأمَّل حديث أبي مسعود الأنصاري عن بركة الصدقة وكيف أنهم لما تصدقوا بورك لهم حتى اغتنى بعضهم فصار له مائة ألف دينار، وهذا من فضل الله العاجل مع ما ينتظر المرء من الثواب في الآخرة إن كان مخلصًا، وليس شرطًا في العمل الصالح أن تجد له أثرًا دنيويًّا غير أن هذا تقريب لسعة فضل الله عز وجل. الموقف الثالث: في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها» قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالا. وهذا موقف عجيب، عمر بن الخطاب تملَّك أرضًا لم يملك مثلها في حياته فلم يفكر بالانتفاع بها أو تركها لأولاده أو جعلها لأناس يعملون بها ويعطونه من المحصول أو يدفعون له الأجرة. بل ذهب يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ما أفضل ما يفعله فيها؟ فيأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلها وقفًا على الفقراء والمساكين. الصحابة تجد المرء منهم له حسنات مثل الجبال، من هجرة وجهاد للكفار وصلاة وصيام وصدقة وأمر ونهي، ويثنى عليهم في القرآن، ثم تجدهم يسابِقون في الصالحات مسابقة تائبٍ من سيئات مثل الجبال ولا حسنة عنده ويريد تعويض ما فات. والعجيب أن يُذكَّر إنسان عُنِيَ بأمر الفقراء كل هذه العناية عن طريق نشر أحوال القوم ببطون الفقراء حين يقال: إطعام جائع خير من بناء جامع. والحق أنه ما أَطعَمَ الجائعَ مثل أهل الجوامع.