من الأمور التي تثير تعجبي قول عدد من الشافعية الأصوليين في مبحث الإجماع السكوتي
من الأمور التي تثير تعجبي قول عدد من الشافعية الأصوليين في مبحث الإجماع السكوتي ( لا ينسب لساكت قول )
وهذه عبارة ترفع إلى الإمام الشافعي ، ثم إنك تجدهم أو تجد من يعتبر كلامهم ينسب إلى مذهب الشافعي أقوالاً لم يقل بها وإنما قال بها بعض المنتسبين إلى مذهبه من المتأخرين مع كونها ربما خالفت أصوله أو دلت القرائن على أنه لا يقول بها
خذ مثالاً مسألة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء أو التوسل بالصالحين وهي أن تقول ( اللهم إني أسألك بحق نبيك محمد ) أو ( بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ) أو تقول : ( أسألك بجاه الصالحين فلان وفلان ) وهذه تختلف عن مسألة الاستغاثة الشركية التي يسأل بها النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو الصالحين فهنا إنما يتوسل بهم فحسب وهذه غايتها أن تكون بدعة
يقول الكثيرون : معتمد مذهب الشافعية جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يوسع الأمر فيجعل المعتمد التوسل بالصالحين جميعاً بناء على قول بعض متأخري الشافعية بجواز ذلك !
والذي ينبغي أن ينسب ذلك لهم فحسب وأما الشافعي ومتقدمي أصحابه فلا ينسب لساكت قول ، وهذه كتب الشافعي وكتب مناقبه وتراجمه وسيره لا يوجد فيها دعاء واحد مروي عنه بسند صحيح أو ضعيف يقول فيه : اللهم إني أسالك بحق النبي أو بجاه الصالح فلان .
وقد كان له عناية بالأدعية كما يبصر ذلك من نظر في مناسكه وما كتبه في الصلاة
ومما يرجح أن الشافعي لا يميل إلى جواز هذا فضلا عن استحبابه بل إلى المنع أن المشهور عند أهل الرأي المنع من ذلك كما جاء في المحيط البرهاني :" ويكره أيضاً: أن يقول الرجل في دعائه: اللهم إني أسألك بحق أنبيائك ورسلك؛ لأنه لا حق لأحد من المخلوقين على الله تعالى. وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. ويكره أن يقول: أدعوك بمقعد العز من عرشك قال ثمة: والدعاء المأذون فيه، والمأثور به ما استفيد من قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (الأعراف: 10) ، وإنما كره بمقعد العز من عرشك؛ لأنه لا يدعوه به" وهذا الكلام موجود في غير كتاب من كتب القوم ونقله ابن تيمية من مختصر القدوري
وقد علم عناية الشافعي بالرد على أهل الرأي في كل دقيق وجليل حتى أنه كتب رداً على كتاب الشيباني الحجة على أهل المدينة ورداً على كتاب أبي يوسف في الرد على الأوزاعي في السير وتعليقا على كتاب أبي يوسف في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى وجمع فتاوى علي وابن مسعود التي خالفها أهل الرأي مع انتسابهم للكوفيين وجزء كبير من كتاب الرسالة في تثبيت أصول أهل الحديث في مقابل أصولهم ولا تفتح كتاباً من كتب مناقبه إلا وتجده يعج بمناظراته مع الشيباني ولهم حظ من كتابه اختلاف الحديث
ومع هذا تجد أن الشافعي ومتقدمي أصحابه بل وكل أهل الحديث ما نشط أحد منهم إلى تعقب أهل الرأي في هذه المسألة مع كثرة ما كان يقع بينهم من السجال والأخذ والرد فلو كان سينسب له قول مع سكوته لنسب له قول هؤلاء الذين عاصروه وكثر سجاله معهم وسكت عليهم في هذه المسألة