كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

سفسطة أُلبست ثوب السنة والجماعة !

المصدر
سفسطة أُلبست ثوب السنة والجماعة ! محمد عبد الله دراز له كتاب بعنوان دستور الأخلاق في القرآن الكريم كان قد كتبه باللغة الفرنسية ثم نقله عبد الصبور شاهين للعربية. وقد عرض في هذا الكتاب لأقوال الأشعرية في القدر وميلهم للجبر وقولهم بنفي التحسين والتقبيح العقليين ونفيهم الحكمة والتعليل، ونقَدَهم بشدة وفضَّل المعتزلة عليهم وفِي آخر كلامه عرض لقولهم ( القدرة تقارن الفعل ) بمعنى أنه لا قدرة حقيقية للعبد قبل الفعل وإنما ما يخلقه الله فيه أثناء الفعل فالله هو الفاعل حقيقة عندهم ! وهذا جبر واضح. قال محمد عبد الله دراز في كتابه دستور الأخلاق في القرآن الكريم : " وحين أخفقت كل محاولات الأشاعرة في هذا المجال القرآني ، وجهوا بحوثهم إلى مجال أكثر رحابة ، وأعظم اعتماداً على العقل الخالص ، وها هم أولاء يريدون أن يبرهنوا لنا على أن التكليف بالمحال هو من جانب معين قاعدة عامة ، أكثر من أن يكون قاعدة خاصة في الشرع الإلهي . ويقف خصومهم المعتزلة ليدافعوا عن الحرية الإنسانية مقدمين إياها على العمل ، حين يكون لكل امرئ أن يجرب قدرته المزدوجة على أن يعمل ، أو يمتنع عن العمل . ويعترض الأشاعرة على هذا بأن القدرة كانت قبل العمل احتمالاً ، والقدرة الفعلية مصاحبة للعمل ، من حيث إنه لا يمكن أن تمارس هذه القدرة تأثيرها على الضدين إلا تباعاً ، فإذا ما شغلت بأحدهما بقي الآخر محالاً ، ما دام الأول في طريق التحقق . فالذي يخالف الأمر ، ويستخدم نشاطه في مناقضته هو حينئذ غير قادر على الطاعة ، في حين يمارس المعصية ، وهو مع ذلك ، مكلف في اللحظة ذاتها بأن يؤدي واجبه ، وبهذا يكون عدد الحالات الاستثنائية الشاذة - أعني : التي يكون موضوع التكليف فيها أمراً لا يقبل التحقق - مساوياً على الأقل لعدد الحالات السوية . ولكن من ذا الذي لا يرى في هذا الكلام سفسطة خالصة ؟.." قوله عن كلام الأشعرية في هذا الباب ( سفسطة خالصة ) حكم جريء جداً والواقع أنه لم ينفرد بمثل هذا الحكم الثقيل. قال ابن رشد في فصل المقال : " بل كثير من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية، فإنها تجحد كثيراً من الضروريات، مثل ثبوت الأعراض وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والصور الجوهرية والوسائط. ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية كفَّرت من ليس يعرف وجود البارئ سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، وهم الكافرون والضالون بالحقيقة". فهنا ابن رشد أيضاً يرميهم بالسفسطة وكثيراً ما كان ابن تيمية يقول أن لهم مقالات تخالف كلام عامة العقلاء. وحتى الجويني الملقب بإمام الحرمين قال في مذهب الأشعري هذا لا يرتضيه عاقل لنفسه. قال الزركشي في البحر المحيط : " أن إمام الحرمين لما حكى القول بأن الفعل حال حدوثه مأمور به، ثم ذكر مذهب الشيخ في القدرة، ثم قال: ومذهبه مختبط في هذه المسألة ثم قال: لو سلم مسلم لأبي الحسن ما قاله في القدرة جدلاً فلا يتحقق معه كون الحادث مأموراً، هذا حاصله. ومذهبه في القدرة مخالف لمذهب أبي الحسن، ثم ألزم الشيخ تحصيل الحاصل. ثم قال: فقال في الحادث: هذا هو الذي أمر به المخاطب، فأما أن يتجه القول في تعلق الأمر طلباً واقتضاء مع حصوله، فلا يرضى هذا المذهب الذي لا يرتضيه لنفسه عاقل. اهـ" وقال الزركشي أنه يريد أن ما ألزمه به لا يرتضيه عاقل لنفسه ولكنه لازم قريب جداً. وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية : " ليس شيخ الإسلام بأول من نسب النافين للتعطيل، فهذا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، هو الذي تبع طريقته أبو الحسن الأشعري، وإن خالفه في بعض الأشياء، إلا إنه على نهجه في إثبات الصفات الفوقية وعلو الله على عرشه، قال ابن كلاب في كتبه: أخرج من الأثر والنظر من قال إنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه " أقول : قوله ( أخرج من أهل النظر ) أي أن كلامه سفسطة. وقد أخبرني أحد الأخوة أن أحد القوم يقول له لا أعقل يداً إلا جارحة ، فقلت له: مع كون مصطلح جارحة مشتبها وكون كبار أئمته أثبتوا يدين ليستا بجارحتين ولكن يقال وهل تعقل موجوداً بلا مكان ورؤية بلا جهة وكلاماً بلا حرف وصوت عقلت كل هذا ولا تعقل ظواهر النصوص ! فهذه السفسطة لم تصر قولاً معتبراً فحسب بل صارت سنة وجماعة زوراً وبهتاناً وأدت إلى بلايا فقولهم ( لا فاعل إلا الله ) فتح الباب لوحدة الوجود بل والشرك بحجة أنك إذا سألت أي شيء فأنت سائل لله حقيقة !