كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الدافع الطبعي والوازع الشرعي وفقه إنكار المنكرات المنتشرة.

المصدر
الدافع الطبعي والوازع الشرعي وفقه إنكار المنكرات المنتشرة. مما يوجد في العديد من كتب القواعد الفقهية قولهم: ما كان له دافع طبعي فلا بد فيه من وازع شرعي. يريدون أن الحدود جاءت لكبح أهواء النفوس، فلماذا شرب النجاسات لا حد فيه وشرب الخمر فيه الحد؟ ذلك لأن النجاسات تنفر منها النفوس، وأما الخمر فتطلبه نفوس كثيرة لذا جاء فيه زجر وحد لموازنة الأمر. إن فهمت هذا أمكنك أن تفهم آية المحرمات من النساء في النكاح: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} [النساء]. تجد قبلها آية: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا}. فلماذا خصص تحريم الزواج من زوجة الأب بآية انفردت عن بقية المحرمات التي ذكرت في آية أخرى؟ الجواب فيما روى الطبري: "8939 -حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء" الآية، قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما حرَّم الله، إلا أنّ الرجل كان يخلُف على حليلة أبيه، ويجمعون بين الأختين، فمن ثم قال الله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف}". أقول: فالمستفاد أن التخصيص بسبب أن أهل الجاهلية ما كانوا يتنزهون عن الزواج بامرأة الأب، وكانوا يكثرون من ذلك، فلذا أفرد ذلك في آية خاصة وجاء الوعيد والتقبيح (وزواجهم لزوجات الأب أكثر من جمعهم بين الأختين، لذا أكثروا من ذكر أمثلته في كتب التفسير). وهذا أمر ينتفع به في فقه الأولويات فإن الأمر إذا كان أهل الزمان يتهاونون فيه، فهنا يتأكد على الداعية أن يُكثِر الحديث عن هذا الأمر. فعلى سبيل المثال في زماننا الناس يعظمون أمر حقوق البشر فيذمون القتل والاغتصاب والسرقة. وبسبب الثقافة الليبرالية ضعف إنكارهم في الأمور التي لا يرونها متعلقة بالحقوق، كأمر التبرج والتشبه بالكفار وغيرها. ويهونون من شأن الذنوب العقدية، كالانحراف في باب الصفات والإيمان والقدر، فهنا يتأكد الكلام في هذا الأمر والتشديد فيه، وكان السلف يشددون في الأمر لوضوحه في النصوص، فإذا اجتمع في الأمر كونه عقيدة وواضحا في النصوص، وكونه محل تهوين من أهل الزمان فذلك يتأكد فيه التشديد.