كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

خواطر حول الإمام مالك وصيام الست من شوال

المصدر
خواطر حول الإمام مالك وصيام الست من شوال يثار هذا الموضوع بشدة هذه الأيام وهو أن الإمام مالكاً كره صيام الست من شوال وخالفه بقية الأئمة والموضوع يطرحه فئات مختلفة من الناس وفيه عبرة بالغة عند التفكر الفئة الأولى : فئة تمارس عقيدة الصدمة على عوام المسلمين وطلبة العلم المتدينين بحيث يشككونهم بأكبر قدر ممكن من الثوابت ليوصلوا إليهم رسالة : ليس كل ما تعرفون صحيح أو المشايخ خدعوكم وهذا النوع من الباحثين كل يوم له منهج في البحث المهم أن يشكك في أي ثابت حتى لو كان التشكيك فيه لا يفيده في قضيته الأصلية بشكل مباشر ( فقضيته الأصلية نصرة مشاريع مبنية على الاحتكام للمقاييس الغربية ) ولكن النيل الهدف الحقيقي تهميش القضية الدينية في القلوب ليحل محلها معاني أخرى من تلك الأوبئة السائدة مثل النسوية والإنسانوية والعلموية وغيرها والواقع أن هذا الأمر ( كراهية مالك لصيام الست من شوال ) لعدم بلوغه الدليل المعتبر في ذلك أمر معروف عند طلبة العلم بل ومعروف أن الإمام مالكاً كره سجدة الشكر أيضاً ومسح الوجه باليدين بعد الدعاء قال الشاطبي في الموافقات :" ومثال هذا سجود الشكر في مذهب مالك، وهو الذي قرر هذا المعنى في "العتبية"من سماع أشهب وابن نافع، قال فيها: "وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله عز وجل شكرا. فقال: لا يفعل، ليس هذا مما مضى من أمر الناس" وعند عموم الناس ثبتت السنة في ذلك التي خفيت على الإمام مالك فمالك علمه في المدينة والسنن خارجها ما كان يعلمها إلا ببلاغ على سعة علمه وتدقيقه غير أن العالم الفرد ليس معصوماً ولكن الجماعة المتوزعين في الأقطار لا يخفى عليهم شيء من العلم بمجموعهم قال الشافعي في الرسالة :" فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافةً غفلةٌ عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، إن شاء الله" وهذا المثال دليل على أن قوة اجتماع العلماء إذا اجتمعوا لأنهم كانوا يختلفون كان إلى الاختلاف سبيل في النظر وكان الإمام مالك يرجع إلى السنة إذا بلغته وذلك فيما أخرجه الحافظ ابن أبي حاتم الرازي قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي (يعني عبد الله بن وهب) يقول: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه ". فقال: " إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة " ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع. وقال ابن رشد المالكي في "بداية المجتهد": وأما الست من شوال، فإنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستاًّ من شوال، كان كصيام الدهر» إلا أن مالكاً كره ذلك، إما مخافة أن يُلحِق الناسُ برمضان ما ليس في رمضان، وإما لأنه لعلَّه لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده، وهو الأظهر " انتهى. وفي موضوع الست من شوال يذكر بعض الناس عن الحسن البصري أثراً يستدل به على عدم المشروعية وهو يقوي المروي في الباب أثر وذلك فيما روى الترمذي حدثنا هناد قال: أخبرنا الحسين بن علي الجعفي، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن البصري قال: كان إذا ذكر عنده صيام ستة أيام من شوال، فيقول: «والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها» فصيغة الأثر توحي بأن صيام الست من شوال كان معروفاً في زمن الحسن البصري ( وهو أكبر من مالك وهو من أعيان التابعين) وكلام الحسن غايته نفي توهم الوجوب في صيام الست فلعل بعضهم ظن أن من لم يصمها فكأنه ما صام الواجب عليه في السنة فنبه الحسن على أن من صام رمضان فقد أدى ما عليه . وطعنك في حديث مداره على راو واحد مثلاً لن يفيدك في الطعن في حديث متواتر أو له طرق كثيرة واهتبالك لمخالفة عالم في مسألة لن يفيدك حين يتفق العلماء ، وهذا الحديث صححه أحمد وأبو حاتم الرازي ومسلم والترمذي ويدل على معناه أثر الحسن كما شرحت وقد كتب في الرد على مضعفيه رجل مشتغل بالحديث عندنا في الكويت اسمه محمد زايد العتيبي جزءاً لطيفاً فصل فيه من الناحية الحديثية القول في الخبر وعادتكم الاحتجاج بالخلاف ولم يلزمك أحد بصيام ستة شوال فهي مستحبة والقول بالاستحباب وجيه غاية وعليه الجمهور فعمل المسلمين عليه ليس تلك الخديعة العظيمة التي تريد إنقاذ المسلمين منها ! الفئة الثانية : فئة تشتغل بدراسة علم الحديث وادعاء نصرة منهج المتقدمين وهؤلاء ليسوا كالأوائل بل فيهم صدق غير أن الحماس الزائد قد يكون له أثره السلبي فما أكثر ما رأينا في أبحاثهم من عجلة في اطراح الأخبار لعلل إسنادية قريبة وغفلة عن الشواهد العامة للأخبار بل بمجرد ما يكون الخبر موقوفاً على صحابي ( يعني من كلامه ) يعاملونه معاملة العدم = قال النسائي في الكبرى 2878 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصاري، أنه قال: «من صام شهر رمضان ثم أتبعه ستة أيام من شوال فكأنما صام السنة كلها» هذا الخبر الموقوف على أبي أيوب لا يشك أحد في صحته وبه أعل بعضهم المرفوع ولكن من أين جاء أبو أيوب بهذا الثواب ؟ هل يتكلم من عقله ويحدث في دين الله ما يشاء أم قد يكون عنده توقيف من رسول الله عليه وسلم ؟ الأصل أن في الأمر توقيفاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتيا الصحابي التي لم يخالفه فيها مثله حجة عند عامة أهل العلم ، وقد يقول قائل ولكنه يقول هنا السنة وليس الدهر فيقال هو هذا المعنى فأنت إذا صمت ما يعادل 360 يوماً كل سنة ستكون كمن صام الدهر كله وخذ مثالاً هذا الحديث : ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشرة أمثالها أما أني لا أقول آلم حرف و لكن ألف حرف و لام حرف و ميم حرف ) اختلف فيه وقفاً ورفعاً وقوى كثيرون أنه من كلام عبد الله بن مسعود ولكنه في حكم الرفع لهذا أجمع الناس على معناه في كل زمان والعجيب أن عبد الله بن مسعود نفسه راوي حديث ( المرأة عورة ) واختلف عليه وقفاً ورفعاً والأصح أن الخبر من قوله فكتبت عشرات الأبحاث في بيان أن الخبر موقوف على عبد الله بن مسعود بخلاف خبر حروف القرآن والعلة في ذلك أن خبر المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان خبر تتضايق منه النساء المتأثرات بالنفس الحداثي لهذا ظن البعض أنه بهذا الكلام يجيب على الشبهة علماً أن مقصد ابن مسعود واضح وهو حال المرأة عند الخروج ومع الأجانب وقوله ( استشرفها الشيطان ) خبر غيبي لا يمكن أن يكون أخذ إلا من رسول الله صلى عليه وسلم وإن لم يرفعه ومعلوم عند الفقهاء أن المرأة لها عورة أمام الأجانب وعورة أمام محارمها وعورة أمام النساء ولا عورة لها أمام الزوج ومقصد ابن مسعود واضح أنها تتشوف إليها نفوس الرجال وربما هي تشوفت نفسها للزينة ولئن ينظر إليها وهذا مشاهد وفي القرآن ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) والمقصود أنهم فتنة باعتبار معين وهذا لا ينافي كونهم نعمة وزينة الحياة الدنيا فلا داعي أن نخضع البحث للحساسية المفرطة عند المساواتيين ونظهر الصحابة وكأنهم يتكلمون بالهجر من القول والعجيب أنهم اعترفوا بحديث ثوبان : ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وفعلا سنده صحيح لا مطعن فيه ولكن تناكدوا وقالوا ليس فيه ذكر شوال مع أن قوله ( بعد الفطر ) واضح في الدلالة على المقصود أنها بعدية مباشرة أو قريبة ولنقل أنه ليس صريحاً فقد شرح حديث ثوبان أثر أبي أيوب الصحيح وما ذكر في أثر الحسن وانتهى الأمر . الفئة الثالثة : بعض المتمذهبين لمالك وهؤلاء أقول لهم أليس فيكم من كان يقول أن السلفيين لا يعرفون معنى البدعة إذا أنكروا المولد الذي لا يوجد عليه دليل من قريب ولا بعيد ولا أفتى به إمام مجتهد فهل مالك أيضاً لا يعرف معنى البدعة لأنه قال ببدعية أمور غيره من الأئمة ما رآها بدعة نعم في السلفيين من توسع في البدعة حتى أنكر أموراً ثبتت عن السلف لعدم علمه بها أو تأثره بكلام الظاهرية في قول الصاحب أو التابعي الذي لم يخالفه أحد من أهل عصره ، ولكن لا يدفعنا الإنكار على هؤلاء إلى السكوت عمن حالهم أشد وأبعد عن السنة من المنتسبين لبعض المذاهب ممن يتابعون إمام المذهب على زلات ثم يخالفون أصوله ويقولون بالبدع الصريحة التي لا نزاع فيها والمذهبي الذي يسلم زمام الكلام في الفقه للمجتهدين ويقلدهم عليه أن يسلم زمام الكلام في الحديث لأئمة الحديث فيقلد الأعلام الذين تتابعوا على تصحيح هذا الحديث وأختم بكلمة أعجبتني لابن عابدين الحنفي النقشبندي دونتها عندي حين كنت أجرد ما عندي من كتب أهل الرأي حيث قال في رد المحتار :" وعن أبي يوسف أنه كرهه متتابعا والمختار لا بأس به اهـ وفي الوافي والكافي والمصفى يكره عند مالك، وعندنا لا يكره، وتمام ذلك في رسالة تحرير الأقوال في صوم الست من شوال للعلامة قاسم وقد رد فيها على ما في منظومة التباني وشرحها من عزوه الكراهة مطلقا إلى أبي حنيفة وأنه الأصح بأنه على غير رواية الأصول وأنه صحح ما لم يسبقه أحد إلى تصحيحه وأنه صحح الضعيف وعمد إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل ثم ساق كثيرا من نصوص كتب المذهب فراجعها فافهم "