ما منعه إلا الكِبْر (جواب أسئلة كثيرة).
ما منعه إلا الكِبْر (جواب أسئلة كثيرة).
رأيت مقطعاً لرجل يلبس ذهباً فلما أنكروا عليه وقالوا له: الذهب لا يلبسه إلا النساء، رد عليهم بما معناه: "اعتبروني امرأة".
قد يتعجب المرء من هذا الجواب، غير أن الحامل عليه هو الكبر عن أن يعترف بأنه على خطأ.
قال مسلم في صحيحه: "107 - (2021) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، عن عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، أن أباه، حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه".
فهذا الرجل آثر أن ينسب نفسه إلى العجز وليس عاجزاً، على أن يعترف بالخطأ ويمتثل، ومثله ذاك الذي آثر نسبة نفسه إلى الأنوثة على أن يعترف بالخطأ.
ولو تأملت لوجدت كثيراً من بلايا الناس اليوم بابها الكبر، فمن ذلك التصالح مع المنكرات.
فترى بعضهم إذا رأى منكرات من النساء في بلده يبادر إلى نسبة هؤلاء النسوة إلى بلد آخر؛ حتى يرتاح ويُشفي كبره.
فإذا تأكد أنهن لسن كذلك ذهب يبحث في عيوب الخلق؛ ليثبت أنهم مبتلون كما هو مبتلى، وأن ابتلاءه أهون.
وبعضهم يصل إلى مرحلة تبرير هذه الأمور.
وكان يكفيه إنكار المنكر والبراءة منه، وحتى لو صدر المنكر من الإنسان على جهة الشهوة لا يتكلف في جعله حلالاً كبراً من أن ينكر عليه، بل يعترف خيراً له؛ لأنه في حال الاعتراف يحمل وزره هو فقط، وأما في حال الكبر يصبح داعيةً إلى هذا المنكر.
ومن هنا تعلم عظيم فقه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حين قالت: «إنكم لتغفلون أفضل العبادة: التواضع». رواه ابن أبي شيبة في المصنف.
فالتواضع ينقذ الإنسان من أن يقع في شرك السيئات الجارية.
وتأمل حال العرب الذين ارتدوا بعد النبي ﷺ، عامتهم منعوا الزكاة مع أنهم أهل كرم، والسبب في ذلك أنهم أرادوا الاحتفاظ بهذا المال ليفاخروا به، فأرادوه حقاً لأنفسهم، وأما في الزكاة فيكون حقاً لله، ولا أحد فيه منة على أحد ولا كبير فخر.
وحيلة الشيطان على هؤلاء أنه يُدخل الكبر في نفوسهم، ويخلطه بمعانٍ سليمة مثل: عزة النفس وعدم الخنوع، وأيضاً يخلطه بمعانٍ جاهلية مستأنَسة مثل الفخر.
واليوم الكبر يُخلط مع ما يسمونه "وطنية"، وقد ورد في الحديث: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب، وعائل مستكبر». رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وكنت أتعجب من أمر العائل المستكبر (أي: الفقير المستكبر) كيف يكون هذا؟
حتى رأيت من يذهب دينه في دنيا غيره بحجة الفخر والدفاع عن الوطن.
وعادة ما يجازى هؤلاء بعكس مقصودهم في الدنيا قبل الآخرة، وأما حال هذه الآفة بين المنتسبين للعلم فأمرها عظيم، ولها تفصيلات ليس هذا محل بسطها.