ابن تيمية وأثقال موسى المحسوبة.
ابن تيمية وأثقال موسى المحسوبة.
كنت قد سجلت صوتية بعنوان (أثقالك محسوبة فلا تبتئس) خلاصة ما فيها أن تلك الأثقال من الابتلاءات ودواعي الشهوات القوية والفتن كلها محسوبة لك، لذا فالطاعة في زمن الغربة أجرها مضاعف، وذكرت أمثلة على ذلك.
وقد وجدت كلاماً عجيباً لابن تيمية في شأن نبي الله موسى ﷺ وما احتسب له من تلك الأثقال التي احتملها.
قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 337) : "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: انظر إلى موسى -صلوات الله وسلامه عليه- رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله، وهو هارون، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ﷺ ورفعه عليه، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه ويدلله، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر.
وانظر إلى يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى، غاضب ربه مرة، فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى، وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد، ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله، وتذكر به إذا وقع في الشدائد، قال تعالى عن ذي النون {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} [الصافات: 143 - 144]، وفرعون لما لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس: 90] قال له جبريل {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91].
وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ما تذكرون من جلال الله -من التسبيح، والتكبير، والتحميد- يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، أفلا يحب أحدكم أن يكون له من يذكر به؟». ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح ولم يعذب، ووهبت له سيئاته لأجل حسناته، ولأجل هذا يغفر لصاحب التوحيد ما لا يغفر لصاحب الإشراك، لأنه قد قام به مما يحبه الله ما اقتضى أن يغفر له، ويسامحه ما لا يسامح به المشرك، وكما كان توحيد العبد أعظم، كانت مغفرة الله له أتم، فمن لقيه لا يشرك به شيئا البتة غفر له ذنوبه كلها، كائنة ما كانت، ولم يعذب بها.
ولسنا نقول: إنه لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد، بل كثير منهم يدخل بذنوبه، ويعذب على مقدار جرمه، ثم يخرج منها، ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علما بما قدمنا".
وهكذا كلما كان المرء أكثر تحملاً لمشاق الدعوة وفتن الزمان.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور».
قال ابن القيم في الروح: "وأما موسى فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا فجعلت صعقة هذا التجلى عوضا من صعقة الخلائق لتجلى الرب يوم القيامة فتأمل هذا المعنى العظيم ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقا ان يعض عليه بالنواجذ".
وهذا أيضاً من هذا الباب باب أنه عرف له ما تحمله في الدنيا فخفف عنه في الآخرة.
وفي حديث جزء الحسن بن عرفة من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: "سمعت كلاما، في السماء فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا موسى، قلت: ومن يناجي؟ قال: ربه، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إنه قد عرف له حدته".
وقد استشهد ابن تيمية بهذا الحديث في رسالة أعمال القلوب غير أنه جعل لفظه (عرف له صدقه) وهذا وهم، وأعله من أعله بعدم سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود من أبيه، وتلك علة لا تقوم، واستغرب ابن كثير الخبر.
غير أنه يدخل في الباب، فمعنى (عرف له حدته) يعني عرف أن بابها ليس سوء الأدب أو الاستهانة وإنما الصدق والمحبة كما كان عمر بن الخطاب مع النبي ﷺ كانت تصدر منه الكلمة كالتي في الحديبية ويندم عليها ويتعجب بعد ذلك من جرأته على رسول الله وما حمله على ذلك إلا المحبة.
وقد قال النبي ﷺ: "رحم الله أخي موسى؛ لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر" متفق عليه.
وهذا يدل على شدة ما لاقى من بني اسرائيل، وقد قص الله علينا في القرآن من ذلك الشيء الكثير.