كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

سبق لي أن انتقدت جوردان بيترسون في مقال بعنوان: دين لا يمكن علمنته.

المصدر
سبق لي أن انتقدت جوردان بيترسون في مقال بعنوان: دين لا يمكن علمنته. هنا خرج برسالة وجهها للمسلمين قال فيها -بنبرة الأبيض المسيطر-: "ينبغي أن يتفق بعضكم مع بعض أولا يا سنة وشيعة، ومن ثم تمدوا يدكم للنصارى، وهل يمكن أن أقول اليهود كذلك؟". واقترح أن يقفوا مع الاتفاق الإبراهيمي لكي تتفق كلمة أهل الكتاب. وأنهم ينبغي أن يتناسوا العداء للنصارى واليهود ويركزوا على "الشيطان الحقيقي الذي في داخلنا". وأن العدو هم أصحاب الأفكار الشيطانية (يقصد التيار اليساري) الذين بزعمه "يشكلون خطرًا على مجتمعاتكم". أقول: هذا هو الخط التمييعي الجديد، محاربة التيار اليساري من خلال التسليم لهدف من أكبر أهدافه وهو إلغاء التمايز الديني العقائدي (الولاء والبراء). هكذا يكون الأمر، نأتي لقيمة دينية متفق عليها وأمرُها عظيم ونعليها فوق العقائد في الله وكتبه ورسله ونقول إننا لا يمكن أن نحافظ عليها ما لم نتناسى الخلافيات مع مخالفينا في العقيدة الذين يوافقوننا في نصرة هذه القيمة. هذا يشبه كثيرا الطرح الحركي الغالي عند أهل ملتنا ولكنهم في الغالب يحصرونه في أهل الملة لمصالح سياسية واقتصادية واجتماعية وخطوط عقدية عريضة مشتركة (مع تجاهل النزاعات العقدية العظيمة أو تمييع الخلاف فيها ما دام الأمر داخل المنتسبين للملة ممن يمكن أن يشاركوا في المشاريع). طرح بيترسون هو فرع عن التدين المصلحي، وهو فكرة الاستفادة من الدين لتحصيل مكاسب عليا وحرب ما يخالف الأخلاق والفطرة ولكن نلغي ما سوى ذلك. كأننا نقول لليهودي والنصراني: ادخل النار من خلال يهوديتك ونصرانيتك ولكن لا تدخلها من خلال القيم اليسارية. هذا الطرح يتجاهل أن في عقيدتنا هذه كلها طرق للنار وأن قضايانا أوسع وأشمل من نصرة قضايا فطرية لها متعلق اجتماعي مع أهميتها وأننا نؤمن بأن الأديان المحرفة والعقائد الفاسدة لا تفلح بمواجهة الباطل إلا بشكل جزئي وإلا فهي تقويه من وجه وتضعفه من آخر لما فيها من التناقض والوهن. والاستفادة من ردود بعض أهل الكتاب على دعاة الشذوذ والإلحاد لا يعني ترك الرد عليهم ودعوتهم للإسلام. أخطر ما في القيم اليسارية إلغاء الولاء والبراء الديني وإلغاء تأثير الإيمان باليوم الآخر على المعاملات الدنيوية، لهذا يعترضون على الجهاد لداعي تمكين الدين وحد الردة وغيرها من الأحكام التي تفرق بين الناس على أساس عقدي، لهذا هذه دعوة يسارية على التحقيق لمحاربة اليسار المتطرف باعتناق اليسار المتوسط.