قال وكيع في الزهد 266 - حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد قال :
قال وكيع في الزهد 266 - حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد قال : سأل رجل ابن عباس قال : أرأيت رجلا كثير الذنوب كثير العمل ، أو رجلا قليل الذنوب ، قليل العمل ؟ قال : « ما أعدل بالسلامة شيئا.
وهذا خبر صحيح عن ترجمان القرآن وهذا الخبر ينبغي أن يكون ميزاناً في سياق المقارنات التي أدمنها بعض أهل العصر أنه لا يعدل بالسلامة شيئاً
فحين نذكر متلبساً ببدعة لا ينبغي أن ينظر فقط فيما أصاب فيه أو أحسن بل ينبغي أن ينظر أيضاً فيما زلت به قدمه فعامة ما يمدح به الناس المنتسبين للفرق البدعية من موافقة للسنة والحق في بعض المسائل يكون في كتب هي نفسها فيها من نشر الباطل والضلال ما فيه فلا يصلح أن تفصل في الثناء وتجمل في الذم فإنك لا تكون ناصحاً والحال هذه
ومن أسس المقارنات السليمة إذا أردت أن تقوم المرء تقويماً عاماً أن يجعل كل إنسان في عصره فلا يصلح أن تقارن أناساً عاشوا في أزمنة الخلافة الإسلامية قديماً وشهدوا ثورات علمية مميزة تأثروا بها ، بأناس معاصرين عاشوا في زمن ما بعد الاستعمار وفرضت عليهم ظروف معينة وصار التعليم الشرعي عسيراً
جاء في سؤالات أبي زرعة الدمشقي للإمام أحمد وسمعت أحمد ابن حنبل يسأل : عن سفيان ومالك إذا اختلفا في الرأي ؟
فقال : مالك أكبر في قلبي .
قلت : فمالك والأوزاعي ؟
قال : مالك أحب إلي , وإن كان الأوزاعي من الأئمة .
قيل له : فمالك وإبراهيم ؟
قال : - كأنه شنعه - ضعه مع أهل زمانه.
وهذه كانت طريقة المقارنة السليمة مع أن زمن التابعين _ زمن ابراهيم _ قريب من زمن أتباع التابعين ومع ذلك لم يعجب أحمد مثل هذه المقارنة
وإذا نسبت رجلاً إلى فرقة ضالة فهذا معناه أنه داخل في وعيد الاثنتين وسبعين فرقة ، وداخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الذين يذادون عن الحوض ( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك )
بل تأمل قول عبد الله بن عمر في الذين أنكروا علم الله بالأمور قبل وقوعها : لو أن لأحدِهم مثلَ أُحدِ ذهباً فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقَدَرِ.
وقد نص ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية أن إنكار العلو أشد من قول القدرية عند السلف قاطبة وهذا أمر معلوم لمن نظر في كلامهم
فإن قيل : هذا كله من باب الوعيد ومعلوم أن الوعيد لا ينطبق على كل الأفراد بل قد يوجد فيهم من معه حسنات مكفرة أو من يغفر الله له بمشيئته أو من يكون قد تداركه رب العالمين بتوبة
فيقال : هذا كله حق إن لم تكن البدعة في نفسها مكفرة وهذا ينطبق على العصاة أيضاً ومعلوم أنه إذا جاء بعضهم يهون من شأن البدع يضع في مقابل البدعة بعض كبائر الذنوب وكأنها غير داخلة في المشيئة فإذا أقررت باحتمال الدخول تحت المشيئة في جميع ذلك صار مثل هذا وصفاً عارضاً قد يقع وقد لا يقع وليس إلى العلم بوقوعه سبيل قطعي فنبقي الكلام على الأصل وعلى قبح نفس الذنب المراد ترهيب الناس منه فوجود ضوابط لا يعني إلغاء الوعيد والتعامل معه كأنه لم يرد
غير أن سر المسألة التوسع في الخطاب الإعذاري في القضايا العقائدية النظرية فالأصل في المخالف أنه معذور وإن كان عالماً ومخالفته امتدت إلى أبواب الأسماء والصفات والإيمان والقدر ومصادر التلقي فالأصل في الشريعة الغموض وفي الإنسان الأصل التأويل وطلب الحق إلا إذا تعلق الأمر بالدماء أو الأعراض فهنا باب التأويل يضيق وهذا تأثر واضح بالثقافة العصرية
ولنأخذ هذه الكلمات لشيخ الإسلام حيث قال في بيان تلبيس الجهمية :" وسئل عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرضي أو عدل فصلِّ خلفه قلت فالجهمية قال لا هذه من المقاتل هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون وعليهم التوبة قال وقال وكيع بن الجراح الرافضة شر من القدرية والحرورية شر منهم والجهمية شر هذه الأصناف قال البخاري وقال زهير السجستاني سمعت سلام بن أبي مطيع يقول الجهمية كفار وكلام السلف والأئمة في هذا الباب أعظم وأكثر من أن يذكر هنا إلا بعضه كلهم مطبقون على الذم والرد على من نفى أن يكون الله فوق العرش كلهم متفقون على وصفه بذلك وعلى ذم الجهمية الذين ينكرون ذلك وليس بينهم في ذلك خلاف ولا يقدر أحد أن ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمتها في القرون الثلاثة حرفًا واحدًا يخالف ذلك لم يقولوا شيئًا من عبارات النافية إن الله ليس في السماء والله ليس فوق العرش ولا أنه داخل العالم ولا خارجه ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ولا أنه في كل مكان أو أنه ليس في مكان أو أنه لا تجوز الإشارة غليه ولا نحو ذلك من العبارات التي تطلقها النفاة بأن يكون فوق العرش لا نصًّا ولا ظاهرًا بل هم مطبقون متفقون على أنه نفسه فوق العرش وعلى ذم من ينكر ذلك بأعظم مما يذم به غيره من أهل البدع مثل القدرية والخوارج والروافض ونحوهم وإذا كان كذلك فليعلم أن الرازي ونحوه من الجاحدين لأن يكون الله نفسه فوق العالم هم مخالفون لجميع سلف الأمة"
=
=
واضح هنا أن الشيخ يرى أن الجهمية نفاة العلو ومخالفتهم في مسألة نظرية فيما يحسب الناس أشر من الخوارج الحرورية ومن الرافضة سبابة الصحابة _ إن لم يكونوا جهمية _ يقصد الشيخ بالجهمية الرازي وأضرابه وهذا واضح من عنوان الكتاب ( بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ) والكتاب رد على الرازي
وقال في التسعينية :" وقول الدعاة إلى الكتاب والسنة، وظهور ذلك فمن هنا كان حال فروع الجهمية قد يكون أخف من حال الخوارج، وإلا فقولهم في نفسه أخبث) من قول الخوارج بكثير، وإذا كان يونس بن عبيد قد قال عن المعتزلة: إن فتنتهم أضر على الأمة من فتنة الأزارقة ، والمعتزلة جهمية، علم أن السلف كانوا يعلمون أن الجهمية شر من الخوارج"
وقال في درء تعارض العقل والنقل :" ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع، وذلك لأن الإيمان إيمان بالله وإيمان للرسول، فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به عن أسماء الله وصفاته، ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره، والإيمان بما أخبر به والإقرار بذلك والتصديق به"
والخلاف مع الجهمية في قضية نظرية ومع ذلك الشيخ يعيد ويكرر أن الخلاف في هذه القضية هي أعظم الخلافيات وأنها أعظم من أي خلاف بين المنتسبين للملة
ومن ضمن الجهمية الذين كان يعنيهم الشيخ ويتحدث عنهم العز بن عبد السلام الذي قال عنه الشيخ في نقض المنطق :" فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية - كصاحب هذا الكلام أبي محمد و أمثاله"
وقال أيضاً :" و أبو محمد و أمثاله سلكوا مسلك الملاحدة الذين يقولون : إن الرسول لم يبين الحق في باب التوحيد ، و لا بين للناس ما هو الأمر عليه في نفسه"
أقول : فإذا اجتمع أن البدعة شر الأمور وأنها تشريع مع الله وأن صاحبها متوعد بالنار إذا كانت أخرجته من مسمى أهل السنة وهذا كله في البدعة المفسقة فكيف إذا كانت بدعة مكفرة _ سواء كفر المعين أو لم يكفر _ والمتلبس بها من كبار دعاتها وبدعته شملت أعظم أبواب الدين الأسماء والصفات والإيمان والقدر ومصادر التلقي في هذه الأبواب وإذا كان السلف مطبقين على تفضيل الخوارج على أصحاب هذه البدعة فكيف يفضل المتلبس بها على أهل السنة مع عظيم ضرر الخوارج على أهل الإسلام !
وقال الشيخ في درء تعارض العقل والنقل :" ولهذا كان الأشعري وأئمة الصحابة من المثبتين لعلو الله بذاته على العالم، كما كان ذلك مذهب ابن كلاب، والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي، وأبي بكر الصبغي، وأبي علي الثقفي وأمثالهم.
لكن للبقايا التي بقيت على ابن كلاب وأتباعه من بقايا التهجم والاعتزال، كطريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام، احتاج من سلك طريقهم إلى طرد تلك الأقوال، فاحتاج أن يلتزم قول الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات الخبرية، ويقدم عقله على النصوص الإلهية، ويخالف سلفه والأئمة الأشعرية، وصار ما مدح به الأشعري وأئمة الصحابة من السنة والمتابعة النبوية عنده من أقوال المجسمة الحشوية، كما أن المعتزلة لما نصروا الإسلام في مواطن كثيرة، وردوا على الكفار بحجج عقلية، لم يكن أصل دينهم تكذييب الرسول، ورد أخباره ونصوصه، لكن احتجوا بحجج عقلية: إما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم وإما تلقوها عمن احتج بها من غير أهل الإسلام، فاحتجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها وتسلم عن النقص والفساد، فوقعوا في أنواع من رد المعاني الأخبار الإلهية، وتكذيب الأحاديث النبوية.
وأصل ما أوقعهم في نفي الصفات والكلام والأفعال، والقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، والعلو لله على خلقه - هي طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وعنها لومهم ما خالفوا به الكتاب والسنة والإجماع في هذا المقام، مع مخالفتهم للمعقولات الصريحة التي لا تحتمل النقيض، فناقضوا العقل والسمع من هذا الوجه، وصاروا يعادون من قال بموجب العقل الصريح، أو بموجب النقل الصحيح.
وهم وإن كان لهم من نصر بعض الإسلام أقوال صحيحة، فهم فيما خالفوا به السنة سلطوا عليهم وعلى المسلمين أعداء الإسلام، فلا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا"
وهذه خلاصة رأي الشيخ في القوم _ المتكلمين ككل معتزلة وأشاعرة _ أنهم كانت لهم مجهودات في الرد على الكفار بحجج عقلية ولهم أداء حسن في هذا الباب ولكنهم التزموا أصولاً فاسدة أفسدت عليهم هذا الجهد وجعلت قيامهم على المبطلين ضعيفاً بل قد تسلط عليهم أولئك الملاحدة والمتكلمون التزموا إنكار أمور في الشريعة فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا وأدخلوا على الناس شراً عظيماً لهذا الداعي
وباب المفاضلات لا يحكم بذوقياتنا الخاصة ولا بمنهجية مقارنة سيئات أهل السنة بحسنات أهل البدعة للتخفيف من شأن البدعة فهذا مسلك مختل بل يقارن حسنة السني وحسنة البدعي ثم تقارن سيئة هذا بسيئة هذا ولو تأملت كلام ابن تيمية لوجدته يقول أن أعظم ما يمدح به بعض أهل البدع نصرهم للسنة في بعض الأبواب فيقال أليس هذا الأمر هو موجود في أهل السنة بشكل تلقائي.
=
=
بل العجيب أنهم إذا تكلموا عن سيئات أهل السنة يتكلمون بالتقنيط وكأنه لا يوجد حسنات مكفرة أو مشيئة أو مصائب مكفرة أو باب توبة مفتوح حتى يغرغر المرء ( والتوبة من البدعة أبعد ) وإذا تكلموا عن البدعة مهما عظم أمرها كانوا مسحتضرين لكل ما يقال في التعذير للواقعين فيها حتى يصير الوقوع في الضلالة الكبرى بمنزلة الخطأ الفقهي ومع أنه حتى في القضايا الفقهية المخطي لا يستوي مع المصيب ( إذا أخطأ فله أجر وإذا أصاب فله أجران ) فهذان الأجران في حق المصيب عقائديا صارا شبه لا شيء لأن هناك تركيزاً على سيئته ثم يقول بعضهم ( قد يكون كذا ) ثم هذا القد يصير حاكماً على الباب كله ويصير هو الأصل وإطلاقات السلف غلو ومجازفة
وهناك اعتبار مهمل أيضاً ألا وهو اعتبار الحفاظ على الشريعة بالترهيب من خطأ المخطيء في تحريفها وإن كان متأولاً
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (7/ 386) :" وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره إن من كان داعية الى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا وأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة فى الدين لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك ومذهب مالك قريب من هذا ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى فى الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة.
وقال في مختصر الفتاوى المصرية :" فإن الله تعالى أوجب دية الخطأ وهي من أنواع القصاص بحسب الإمكان فإن القود لم يمكن إيجابه لأنه لا يكون إلا ممن فعل المحرم وهؤلاء ليسوا مكلفين بالتحريم بخلاف ما كان من باب دفع الظلم وأخذ الحق فإنه لا يشترط فيه الإثم ولهذا نقاتل البغاة وإن كانوا متأولين مغفورا لهم ويجلد شارب النبيذ وإن كان متأولا مغفورا له
فتبين بذلك أن الظلم والعدوان يؤدى فيه حق المظلوم مع الإثم والتكليف ومع عدم ذلك فإنه من باب العدل الذي كتبه الله تعالى على نفسه وحرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده"
وقال العقيلي في الضعفاء حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا عباس بن أبي طالب قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: سمعت حزما يقول: سمعت عاصما الأحول قال: كان قتادة يذكر عمرو بن عبيد ويقع فيه، قال: فجثوت على ركبتي فقلت: يا أبا الخطاب، وإذا الفقهاء يقع بعضها في بعض، فقال: يا أحول، رجل ابتدع بدعة فنذكر بدعته خير من أن نكف عنها.
وقال العقيلي حدثنا منصور قال: حدثنا الحميدي قال: سمعت مؤمل بن إسماعيل يقول: إن سفيان الثوري لم يصل على ابن أبي رواد فقيل له: " والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكني أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة
أما إن سفيان صلى عليه صلاة أعظم من كل صلاة فقد حماه من اتباع الناس على ضلالته وخفف عليه ميزانه والمرء إن سلم من الأتباع على الشر فهو على خير عظيم
وتوكيداً على أثر ابن عباس الذي ذكرناه في البداية أذكر ما روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا خير فيها هى من أهل النار) وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار) ولا تؤذي أحدا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هى من أهل الجنة).
وفي القرآن : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهين )
=
=
وقد فسر عكرمة الذين يؤذون الله ورسوله بأصحاب التصاوير وقد ورد في الحديث : ( من أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي ) ومعلوم أن البدعة تشريع مع الله والله عز وجل له الخلق والأمر
ومجرد نصرة الدين في بعض الأبواب لا تعطي صك غفران ففي الحديث : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر .
فعلى قدر ما يرفعه نصرته للسنة في بعض الأبواب على قدر ما تخفضه مخالفته لها في أبواب أخرى علمًا أَن نصرة السنة تصير عظيمة عند هؤلاء إن جاءت من مبتدع ومكفرة لإثم بدعته مهما عظمت وتصير خسيسة وضعيفة إن جاءت من سني يَرَوْن في أسلوبه شدة فالشدة في معايير الناس الْيَوْم أعظم من البدعة إلا ما رحم ربي وتصير هذه النصرة سبة في حقه أصلا أو معرض عنها وفيهم من ينصف والمراد أنهم يتحاكمون إلى ما يرونه مسلمات وليس الأمر كذلك
والتشويش على الأصول بقدقدات لا سبيل إلى الوصول إلى حقائقها إلا بعلم الغيب المطلق أمر لا طائل تحته سوى إحداث الوحشة في قلوب الناشئة من كلمات السلف التي تشوش عليها هذه القدقدات وأما أمر التعامل الدنيوي فهذا محكوم بالشريعة فقد نرجم المسلم ونعصم دم النصراني مع اعتقادنا أن المسلم المرجوم خير من النصراني ولا دخل لذلك في أمر المحبة القلبية والأخوة الإيمانية وأمر البدعة والسنة ليس متعلقاً بنا كأشخاص بل هو متعلق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصل الرسالة فخصومة البدعي ليس مع الفريق الفلاني بل حقيقة خصومته مع الكتاب والسنة وإن تستر وكثير منهم يصرح بما يقتضي العداء للسنة كما هو معلوم وكما قال بلال بن سعد : لا تنظر إلى صغر المعصية وانظر إلى عظمة من عصيت . لا تنظر إلى صغر البدعة في عينك لأنك مادي تستهون الأبحاث النظرية بل انظر إلى عظمة من خاصموا وزادوا في دينه واتهموا وحيه بالنقص والقصور ولهذا يقول مالك : من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد قال أن محمداً خان الرسالة .
قال ابن القيم في مدارج السالكين : وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة.
قلت: يريد أن البدعة من الكبائر، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع، وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها. انتهى كلام ابن القيم
أقول : وهذه الكلمة لأنهم يشاهدون المعنى الكامن في كل بدعة وإن صغرت في أعين الناس ولا نقول لا يضر مع السنة ذنب كما أَن الطرف المقابل ينبغي ألا يقول بأنه لا يضر مع بعض المناقب إحداث في الدين وانحراف عن السنة غير أَن من عنده حسنة السنة رجاؤه أعظم من غيره لعظمتها ولو لم يكن أمرها عظيمًا لما سمي المتلبسون بها فرقة ناجية وطائفة منصورة
نعم قد يقع المرء في بدعة إضافية يظنها سنة ويكون معذورا كما قد يصيب الباغي دماً حراماً ويكون معذوراً أيضاً ولا يجعلنا ذلك نستهون التحذير من سفك الدماء بغير الحق غير أن الحديث هنا على أناس تلبسوا بالبدع الكبرى حتى نسبوا إلى غير السنة وكانت مخالفتهم على ما وصفت لك وقد تعمدت الإكثار من النقل عن شيخ الإسلام لكثرة التترس به في هذا المقام
وأصل اللغط والإشكال هو القفز من المقارنة بين نفس البدعة والسنة أو المبتدع باعتباره مبتدعًا والسني باعتباره سنيا إلى المقارنة بين أفعال جيدة للمبتدع لا علاقة بينها وبين كونه مبتدعًا وأفعال سيئة للسني لا علاقة بينها وبين كونه سنيا واستخدام اللقب البدعي واللقب السني في هذا السياق مما يؤدي إلى التهوين من شأن الخلاف ولو استخدمت هذه الحيلة مع الزاني والعفيف مثلا لوجدتها ناجعة وعادة يستخدمها التغريبيون عند محاولة التهوين من شأن الكفر والإسلام وجعل المعيار التقدم أو الأخلاق بالمفهوم الغربي ثم يجعل ما خرج به من هذه المقارنة العجيبة مشكلا على آثار ذم البدعة في مقابل الكبيرة أو آثار مدح السني من ناحية سني في مقابل المبتدع أنه من ناحية مبتدع.