معدن الشبهة: الركون للدنيا!
معدن الشبهة: الركون للدنيا!
حين ظهرت فتنة الزنادقة في زمن العباسيين حتى قام بعض الخلفاء بتتبعهم وجدنا أهل الحديث ينتشر عندهم نوع خاص من المصنفات وهي مصنفات الزهد!
فهناك الزهد لابن المبارك والزهد لهناد والزهد لوكيع والزهد لأحمد والزهد لأبي دَاوُدَ والزهد لابن أبي الدنيا والزهد لابن أبي عاصم، وحتى الجوامع الحديثية الكبيرة مثل الصحاح والسنن كان فيها كتب للزهد.
قد لا يظهر للمرء علاقة بين فشو هذه المصنفات وموضوع الزندقة غير أن الإمام أحمد رُوي عنه أنه نصح شخصًا عنده وسواس بالسماع للوعاظ!
حلل بعض المتكلمين (كالجاحظ) سبب انتشار الزندقة (وهي إبطان الكفر وإظهار الإسلام مع المكيدة للإسلام وأهله) بإرجاع الأمر للشعوبية (وهي التعصب للفرس أو بعض العرب أو اعتقاد عدم فضل العرب)، ورأى أن الشعوبية هي مفتاح الزندقة، وإن لم يكن كل شعوبي زنديقًا.
ولما ظهرت الفرق الباطنية حاول بعض أهل الكلام كالغزالي أيضًا تحليل سبب ظهورهم، فأرجعه لعدة أسباب منها الشعوبية ومنها محبة التميز عن العامة وغيرها من الأسباب.
وفِي الحقيقة هذا التحليل يُبين عمق معالجة أهل الحديث للأمر.
كتب الزهد تُبيِّن منزلة الدنيا وتُذكِّر بالآخرة وصفة الجنة وصفة النار وغيرها من المعاني وتَذكُر شيئًا من أحوال الصالحين.
مَن خلا مِن هذه المعاني فإنه سيدخل في قلبه الحسد والعصبية وذلك أساس الشعوبية، أو سيدخل في قلبه الكبر على عامة الناس وهذا أساس بلاء كثير من المتكلمين.
فأنت إذا اجتثثت أساس البلاء ذهبت فروعه، وإلا فغالب شبهاتهم مماحكات وغفلة عن الحجة ركونًا للدنيا، وهذا المعنى مشار إليه في القرآن.
قال تعالى: "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نَرَى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعَتَوْا عُتُوًّا كبيرًا".
تأمل قوله: "لا يرجون لقاءنا" بين يدي حكاية شبهة فيها مماحكة، فهذا ظاهر في أنهم ركنوا للدنيا جدًّا وعلَّقوا عليها كل آمالهم، فكرهوا الوحي لأنه ينغِّص عليهم هذه الأحوال، فصاروا يتطلبون نقض ما فيه.
وتأمل قوله تعالى: "إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون".
وأيضًا صاحب الجنة الذي في سورة الكهف والذي أظهر تشكُّكَه بالبعث بعد فرحه وركونه لما معه من مال وولد.
وحين تجعل غاية غايات المسلم أن يصنع فردوسًا أرضيًّا خياليًّا فأنت تصوغ قلبه ليكون كقلوب هؤلاء، وستكون قراءته للشرع مشوهة وغير متزنة ومحاكمته للأمور فيها تشديد في غير موطن التشديد وتهوين في غير موطن التهوين، وقد عمَّ البلاء بمثل هذا، نسأل الله العافية.
ولا يعني ما سبق عدم علاج الشبهات، ولا يعني أيضًا عدم التلذذ بالنعم المباحة، اطرح هذه الحدية لتفهم الأمور على وجهها.