في رحاب سيد قراء الكوفة في زمان صغار التابعين
في رحاب سيد قراء الكوفة في زمان صغار التابعين
قد ابتليت الكوفة في الزمن القديم بآفتين قل من سلم منهما فيها ألا وهما التشيع وكان تشيعهم درجات منه الخفيف الذي يقتصر على تفضيل علي على عثمان مع توقير عثمان
والآفة الثانية شرب النبيذ وهو الذي يسكر كثيره دون قليله فكانوا يشربون القليل لأنه لا يسكر متأولين ولكن ذلك فتح باب شر لأن كثيراً من العامة ما استطاعوا ضبط الأمر ووقعوا في حد الإسكار
وهناك عالم جليل من القراء الذين نجدهم في أسانيد القراءات ومن الثقات المجمع عليهم على عظيم صلاحه وفضله سلم من هاتين الآفتين مع أنه ما كان عنده كبير علم بردهما حتى كان أعز أصدقائه مقيماً عليهما وما استطاع أن يقيم عليه البينات فيها ولكنه التوفيق
هذا الرجل طلحة بن مصرف اليامي
و قال عبد الله بن إدريس ، عن حريش بن سليم : شهدت أبا إسحاق ، و سلمة بن كهيل و حبيب بن أبي ثابت ، و أبا معشر ، كلهم يقول : لم أر مثل طلحة ، أو ما أدركت مثل طلحة ، و قد رأوا أصحاب عبد الله
أقول : وعبد الله بن إدريس الأودي كان خليفة طلحة في الثقة في الحديث والعلم بالقراءة والسلامة من كل أنواع التشيع
• وقال عبد الله بن أحمد : قال أبي: أهل الكوفة يفضلون علياً على عثمان، إلا رجلين، طلحة بن مصرف، وعبد الله بن إدريس. «العلل» (3532) .
و قال عبد الله بن إدريس : ما رأيت الأعمش يثني على أحد أدركه ، إلا على طلحة بن مصرف . قال ابن إدريس : كانوا يسمونه سيد القراء.
و قال أحمد بن عبد الله العجلى : كان يحرم النبيذ ، و كان عثمانياً يفضل عثمان
على علي ، و كان من أقرأ أهل الكوفة و خيارهم .
و قال أيضاً : اجتمع قراء أهل الكوفة في منزل الحكم بن عتيبة فأجمعوا على أن أقرأ أهل الكوفة طلحة بن مصرف ، فبلغه ذلك . فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه ، ليذهب عنه ذلك الاسم .
و قال عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر ، عن أبيه : ما رأيت مثل طلحة بن مصرف ،
و ما رأيته في قوم قط ، إلا رأيت له الفضل عليهم.
ذهب وقرأ على الأعمش ليصير الأعمش سيد القراء ويرتاح هو من هذا اللقب والتعليق على هذا مثير للشجن نسأل الله سلامة القلوب والإخلاص
قال يعقوب بن سفيان في تاريخه حدثني الفضل بن زياد قال سمعت أبا عبد الله يقول: كان طلحة وزبيد مصلاهما واحد، وكان طلحة عثمانياً وزبيد علوياً، وكان طلحة من الخيار، ولا يدفع زبيد عن حجته، وكان طلحة يحرم السكر، وزبيد لا يحرمه.
قول أحمد ولا يدفع زبيد عن حجته يدل على أنه ما كانت عنده بينات عظيمة في الأمر وبقي أمر التفضيل بين عثمان وعلي فيه درجة من الخفاء حتى اجتهد جماعة من المحدثين في إظهار الأمر حتى علمه عموم الناس فكان أحمد إذا سئل عن تفضيل علي على عثمان يقول : هذا الآن شديد . يعني قبلها كان يمكن أن يعتذر للمرء في الأمر
وهذا سفيان الثوري إمام الكوفيين ترك التشيع الغالي بعد رحيله لأصحاب الحسن في البصرة وترك التشيع الخفيف بعد زمن
وأما النبيذ فتركه بآخره بعد مذاكرة ومناصحة مع الإمام مالك ولهذا أحمد ذكر رجوع سفيان عن النبيذ في المسند من شدة غبطته بالأمر مع أن الكتاب في الأحاديث المرفوعة
جاء في المسند 10895- حدثنا شعيب بن حرب أبو صالح، قال: سمعت مالك بن أنس وذكر سفيان الثوري فقال أما إنه قد فارقني على أنه لا يشرب النبيذ.
وهذه من فضائل سفيان أنه كان إماماً في الرجوع إلى الحق قضى عمره في الطلب وما توقف فتنقى مذهبه أيما تنقية ولو تأملت هذا لعلمت أنه من أسباب حط الناس على أهل الرأي إذ لم يكونوا مثل سفيان مع وجوده بين أظهرهم
وعوداً إلى طلحة اليامي وصاحبه زبيد
قال أبو نعيم في الحلية حدثنا محمد بن علي، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثني أبو سعيد، ثنا ابن أبي غنية، عن عبد الملك بن هانئ، قال: خطب زبيد إلى طلحة ابنته فقال له: «إنها قبيحة» قال: قد رضيت، قال: «إن بعينيها أثرا» قال: قد رضيت.
أقول : والله لا أدري أيهما أعجب إلي طلحة أم زبيد واضح أن زبيداً ما أراد زواجها إلا ليقر عين صاحبه بزواج ابنته لما رأى الناس عنها راغبين وقد كان عمر يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج حفصة من أجله واتخذ العلماء مثل هذا سنة على أن حفصة لها فضل كبير ، وأما طلحة فأمره عجيب في تمحيضه النصح لصاحبه ولما مات طلحة أوصى لصاحبه زبيد بثلثه
واسم طلحة اليامي مشهور في كتب أسانيد القراءات