في رحاب الرجل الذي كان مالك بن أنس يحب أن يقتدي به
في رحاب الرجل الذي كان مالك بن أنس يحب أن يقتدي به
من الأئمة الذين تحيط المهابة بأسمائهم مالك بن أنس حين تقرأ كلامه تشعر بالفخامة والهيبة وتتساءل من أين جاء بهذا الأمر ؟
فلو قلت لك أن هناك شخصاً كان الإمام مالك يحب الاقتداء به في السمت فلا شك أنك تتشوف لمعرفته فمالك من مشاهير أئمة أهل السنة المتفق عليهم والمشهورين بالسمت العالي
غير أن العجب أن هذا الشخص شأنه شأن غيره من كبار الأعلام ذهب ذكره ليحل محله ثلة من المتكلمين والآرائية ولا حول ولا قوة إلا بالله
هذا الإمام هو عبد الله بن يزيد بن هرمز اسم جديد على الكثير من الناس
قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (1/ 364) : حدثنا محمد بن أبي زكير أخبرنا ابن وهب قال: قال مالك: كان ابن هرمز رجلاً كنت أحب أن أقتدي به، وكان قليل الكلام قليل الفتيا، شديد التحفظ وكان كثيراً ما يفتي الرجل، ثم يبعث في أثره من يرده إليه حتى يخبره بغير ما أفتاه. قال: وكان بصيراً بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما اختلف فيه من هذه الأهواء
وهذا إسناد صحيح لمالك
قال مالك: جلست إلى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة. وقال مالك: لم يكن أحد بالمدينة له شرف إلا إذا حزبه أمر رجع إلى ابن هرمز.
قال ابن وهب قال: سمعت مالكاً يحدث: أن محمد بن عجلان سأل عن شيء فلم يعجبه ذلك، فلم يزل ابن هرمز يخبره حتى فهم. قال: فقام إليه ابن عجلان فقبل رأسه.
هذا موقف نبيل من الرجلين فأولاً صبر ابن هرمز على التعليم والتفهيم وثانياً تقدير ابن عجلان لذلك وتقبيله لرأس ابن هرمز لما فهم وكان هذا هدي الأوائل الاختصار والإيضاح قدر المستطاع ثم جاء خلوف تأثروا بأقتام اليونان فصار الكلام المعقد عندهم علامة علم وفهم
قال ابن وهب: فحدثنا مالك: أنه دخل يوماً على عبد الله بن يزيد بن هرمز، فوجده جالساً على سرير له وهو مخلى ليس عنده أحد، فذكر شرائع الاسلام وما انتقض منه وما يخاف من ضيعته وأن دموعه لتنسكب
هذا في ذلك الزمان فكيف بزماننا
قال ابن وهب وسمعت مالكاً يحدث عن عبد الله بن يزيد بن هرمز أنه كان يقول: إني لأعجب للانسان يرزق الرزق الحلال فيرغب في الربح فيدخل فيه الشيء اليسير من الحرام فيفسد المال كله
أقول : إي والله قد رأيت عدداً من الناس يرزقه الله الرزق الحلال فيمكنه أن يتاجر فيه بأمر حلال فلا يرضى حتى يدخل في الشبهات أو المحرمات وبعضهم تكون تجارته حلال وربحه وافي فلا يقنع حتى يأتي بامرأة متبرجة للبيع لمزيد ربح وقد رأيت في محلات النظارات الطبية التي يحتاجها الناس ضرورة بعضهم يستعين بصور الفاجرات وهو في غنى عن ذلك
وبعضهم تكون له تجارة رابحة فيأخذه الطمع حتى يشارك في أعياد المشركين والأعياد البدعية لمزيد ربح فسبحان الله
قال ابن وهب حدثنا زيد عن عبد الله بن هرمز أنه قال - حين كف عن الكلام - : ما كنا إلا قضاة، ولكن لم نكن نعرف ما نحن فيه، فكانت الفروج تستحل بكلامنا وتقطع الأموال بكلامنا، فما كنا إلا قضاة
هذا وهو عالم فقيه وحوله العلماء الفقهاء الذين يقومونه إذا أخطأ ويستعظم أمر الفتيا هذا الاستعظام فما بالك بإنسان غايته من العلم أبحاث يسيرة في استحلال بعض المحرمات مخالفة لجمهور العلماء أو حتى إجماعات قديمة بمقدمات ضعيفة ويدخل على الناس شر عظيم من ذلك فإنهم لا يقفون عند الصورة المختلف فيها حتى يتعدوا إلى المحرم اتفاقاً.
=