=
=
قال محمد بن الجزري الدمشقي في "منجد المقرئين" (ص62) نقلًا عن أحد مشايخه:
"إن القراءات كالحديث، مخرجها كمخرجه. إذا كان مدارها على واحد، كانت أحادية. وخفي عليه (يعني الذي يظن تلك الأسانيد الأحادية تدل على عدم تواتر القراءة) أنها نُسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحًا. وإلا فكل أهل بلده كانوا يقرؤونها. أخذوها أممًا عن أمم. ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل بلده، لم يوافقه على ذلك أحد، بل كانوا يجتنبونها، ويأمرون باجتنابها".
وهنا ابن الجزري يعتبر إقرار العلماء لرواية شيء مشهور مثل قراءة للقرآن أو كتاب حديث يُدخِله في حيِّز التواتر المعنوي لاشتدادهم جدًّا على من يزيد أو ينقص في هذه المشهورات المتواترة، إذن الأسماء المذكورة في أسانيد الروايات -مع كونها رواية للبركة- ليسوا وحدهم في الباب وإنما معهم من أقرَّهم.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة زاهر بن طاهر: "قال أبو سعد السمعاني: كان مكثرًا، متيقِّظًا، ورد علينا مرو قصدًا للرواية بها، وخرج معي إلى أصبهان لا شغل له إلا الرواية بها، وازدحم عليه الخلق، وكان يعرف الأجزاء، وجمع ونسخ وعُمِّر، قرأت عليه "تاريخ نيسابور" في أيام قلائل، كنت أقرأ فيه سائر النهار، وكان يكرم الغرباء، ويعِيرهم الأجزاء، ولكنه كان يخلُّ بالصلوات إخلالًا ظاهرًا وقت خروجه معي إلى أصبهان، فقال لي أخوه وجيه: يا فلان، اجتهد حتى يقعد، لا يفتضح بترك الصلاة، وظهر الأمر كما قال وجيه، وعرف أهل أصبهان ذلك، وشغبوا عليه، وترك أبو العلاء أحمد بن محمد الحافظ الرواية عنه، وأنا فوَقْتَ قراءتي عليه "التاريخ" ما كنت أراه يصلي، وعرَّفنا بتركه الصلاة أبو القاسم الدمشقي، قال: أتيته قبل طلوع الشمس، فنبَّهُوه، فنزل لنقرأ عليه، وما صلى، وقيل له في ذلك، فقال: لي عذر، وأنا أجمع الصلوات كلها، ولعله تاب، والله يغفر له، وكان خبيرًا بالشروط، وعليه العمدة في مجلس الحكم، مات: بنيسابور، في عاشر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة.
قلت: الشره يحملنا على الرواية لمثل هذا".
أقول: فتأمل أن الأمر وصل إلى الرواية عن تارك صلاة من باب "الشره" كما يقول الذهبي لأن الأصول محفوظة والأمر تحصيل حاصل كما يقال، ثم يأتي من يجعل هذا دليلًا على تصحيح مذهب ما أو التسهيل مع أهله!
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعدما جرح الأهوازي عالم القراءات: "ولو حابيت أحدًا لحابيت أبا علي لمكان علو روايتي في القراءات عنه".
وحقًّا الأهوازي صاحب كتاب مثالب الأشعري اسمه مشهور في أسانيد القراءات، غير أن الأمر لا يتوقَّف عليه أصلًا، وإنما كانت له رواية عالية (يعني رجالها قليل) فاشتُهر، والنَّاس يحبون الأسانيد التي رُواتها قليل وقصيرة ويتفاخرون بذلك.
وليس من شرط الصحة قلة الرواة، ولكن في روايات (البركة) ذهب معنى الصحة والضعف، فاختاروا معنى آخر ليتنافسوا فيه.