جاء في كتاب البيان والتبين : وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يكيد بنفسه( يعني يح
جاء في كتاب البيان والتبين : وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يكيد بنفسه( يعني يحتضر ) : أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة الله، ولكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
أقول: ذكرني هذا الأثر بكلام بعض الظرفاء في نقد ما اشتهر بين كثير من الناس أنهم جاءهم خاطب غني موسر ولكنه فاسد الأخلاق قبلوا وزوجوه وقالوا : الله يهديه
وإذا جاءهم خاطب حسن الخلق ولكنه فقير رفضوه ولم يقولوا : الله يرزقه
فقال هذا الظريف : هؤلاء إيمانهم قوي باسم الله الهادي ولكن إيمانهم ضعيف باسم الله الرزاق والوهاب والكريم
ومما جربته حقًا في أحوال الكثير من العامة أنك إذا وعظتهم في تركهم للذنوب قالوا لك : الله غفور رحيم
مع أَن هذه حجة لك لأن المغفرة والرحمة تُطلب بأسباب من الاستغفار والتوبة وبذل الحسنات ( واتبع السيئة الحسنة تمحها ) ولكنهم يضعون فصامًا نكدًا بين الإيمان بالاسم وطلب أسباب آثاره
ولكنهم إذا تكلموا في الرزق فإنهم لا يفهمون من اسم الرزاق ترك طلب أسباب الرزق ! بل يروُون في ذلك خبرا لا أصل له ينسبونه لرب العالمين ( اسع يا عبدي وأنا أسعى معاك )
بل كثير من الناس جبرية في باب الدين ، قدرية في باب الدنيا
ففي باب الدين كأنهم لا يؤمنون بتأثير الأسباب الشرعية ويتكلمون كأنه لا إرادة عندهم فيقول : الله يهديني وهذا أحسنهم حالًا ولكن على جهة ( اترك وعظي ) أو يقول لك "الهداية بيد الله" وهذا حق ولكنهم يريدون به باطل ويهونون من شأن الوعظ والتذكير.
وأما في باب الدنيا فيركنون للأسباب ركوناً شديداً ويقبلون كل نصيحة في أمر الدنيا من ناصح ولا يعتبرونها وصاية ألا ترى إقبالهم على دورات تنظيم الحياة ونفرتهم من المواعظ ويؤمنون بقدرتهم على تغيير أحوالهم إيمانًا تامًا
والمسلم السني يُؤْمِن بتأثير الأسباب في أمر الدين والدنيا ولكنه يعلم جيدًا أنه ما من سبب يستقل بالتأثير بل كل سبب هناك أسباب أخرى قد تزيد تأثيره أو قد تعطل تأثيره وأنت تؤثر في بعض الأسباب فحسب والأمر بتمامه بيد الله فأنت تعمل بالأسباب ولا تركن إليها بل تركن إلى من بيده كل شيء
ومما جربته وعرفته أنه ما من فساد أخلاقي ينتشر في العامة إلا مبدأه فساد عقائدي وأن ما من فساد عقائدي إلا ومرجعه سوء التصور عن أسماء الله وصفاته.