شيء من التفقه في نصرة قول الجمهور في عدم إجزاء إخراج زكاة الفطر نقداً
شيء من التفقه في نصرة قول الجمهور في عدم إجزاء إخراج زكاة الفطر نقداً
قبل الدخول إلى هذا ( التفقه ) لنفهم ما هو القوت وما الأحكام الذي تعلقت به
القوت هو الطعام الأصلي لكل بلد ويمتاز بالإشباع والمقدرة على الادخال بحيث أنه لا يفسد من الادخار ويبقى أطول وقت ممكن ، وحاجة الإنسان إلى الطعام حاجة أصلية لا يضاهيها في الحاجات الجسمية إلا النفس والتنفس لا يبذل فيه جهد ، لذا تعلقت عدة أحكام شرعية بهذا القوت الذي لا يستغنى عنه فقد كان المشهور من مذهبنا أن زكاة الزروع إنما تكون من القوت والاحتكار إنما ينهى عنه في الأقوات وعلة الأصناف الربوية غير الذهب والفضة أنها (طعام ) يعني ( قوت ) أو ما يصلح القوت ويتفق معه في صفة الادخار كالملح ، وهذا القوت هو نفسه ما تخرج منه زكاة الفطر وهنا يظهر اتساق الشريعة ( على أن الفروع المشار إليها عامتها ليست محل اتفاق )
والآن إذا فرضنا أن اهل مدينة يزرعون قوتاً من الأقوات وهذا عملهم الرئيسي وكانوا أهل كرم ويؤدون زكاة الزروع لتدينهم
أليس من حالهم هذه أولى الناس بأن يقال الأحظى للفقير فيهم ألا يعطى الزكاة من هذا القوت لتوفره بينهم بشكل مكثف لأنهم يعملون فيه ؟
في الواقع هذا حال أهل المدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانوا يعملون في النخيل حتى أن بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلو من كل شيء ولا يخلو من التمر والماء ولهذا حكم أبو حاتم الرازي على الحديث الذي فيه أنه إن لم يجد تمراً أفطر على ماء بالبطلان ، لأن المدينة لا تخلو من التمر
وقد كان التمر في المدينة كثيراً إلى درجة أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب هم أن يعطي بعض جيوش المشركين المجتمعة حول المدينة ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا وإذا كانت ثلث ثمار المدينة كافية بإرجاع جيش كامل فما بالك بالثمار كلها ، ومن يقرأ في أحاديث الأحكام في بيع العرايا والمزارعة والمساقاة وغيرها يظهر له جلياً هذه الحال من انتشار بساتين النخيل في المدينة آنذاك
ومع ذلك إذا جئنا إلى أحاديث زكاة الفطر نجد أن صاع التمر منصوصاً عليه فيها كلها ولا توجد أي إشارة إلى كونه أدنى من الأصناف الأخرى وأنها أحظى منه وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم أصنافاً متنوعة كلها من الطعام وكانت كلمة واحدة ( أو عدل ذلك ذهباً أو فضة ) كافية في تأييد ما يذهب إليه المجيزون ومع ذلك ما نطفت تلك الكلمة
الشافعي ذهب إلى أن الأصناف مقصودة بعينها بأنها متنباينة الأسعار ولو أريد الثمن لنصص عليه
وحجتنا أنه لو كان الأحظى في المال أو صنف آخر بدلاً من التمر لكان لأهل المدينة لداعي فشو التمر بينهم .
فإن قيل : ما داعي الحديث في هذه المسألة الخلافية ؟
فيقال : أن بيان الحق لا يرفعه خلاف أو جلالة مخالف خصوصاً إذا كان معك من هم مثله أو أعلى منه ، غير أن الناس اليوم تجاوزوا حدود الخلاف فلم يصر القول بإجزاء اخراجها مالاً فحسب بل وصل الأمر إلى الإزراء على الصفة المتفق على مشروعيتها وذكر تعليلات يدعى من خلالها أن الأحظى للفقير ( وهذا غير صحيح حتى نظرياً ) إخراجها نقداً وهذه التعليلات تشمل حتى العصر النبوي وهذا مزلق ليس بالهين ، وتم إدخال العوام أشباه العوام في هذا البحث الذي لا يعونه ولا يفهمون المنظومة الاستدلالية فتجد بعضهم يقول القصد إغناء الفقير ( وكأن حمل الطعام عنه ليس إغناء وتفريغاً له لأمور أخرى ) مع أن هذه ليست علة منصوصة بل مستنبطة والعلة المنصوصة ( طعمة للمساكين ) فيترك العلة المنصوصة ويبطلها بعلة مستنبطة ، وحتى العديد من المذهبيين يتخلون عن مذهبيتهم ويدعون أن إخراجها نقداً هو الأيسر والأحظى للفقير ! ولا أدري ما وجه المشقة الشديدة في إخراجها طعاماً
وكل عام يتم تسخيف قول الجمهور في عدم إجزائها نقداً بشكل فظيع ومستفز من قبل أناس لا يحسنون البحث العلمي ولا يفرقون بين مقدمات الأقوال والخلاف المعتبر والخلاف غير المعتبر بل تجد من يحاول أن يقسرك قسراً على اعتبار القول الضعيف بجواز ( مجرد جواز وليس أفضلية ) إخراجها نقداً ، علماً أن من قال بإخراجها نقداً جوز ذلك في كل أنواع الزكاة فحتى في زكاة الزروع والماشية
قال أبو طالب: قال لي أحمدُ: لا يُعْطِى قيمته.
قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخُذ بالقيمة .
قال: يَدَعُون قَوْلَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويقولون قال فلان، قال ابن عمر فرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: وقال اللَّه تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}. وقال قوم يُردون السنن: قال فُلان، قال فُلان.
=