كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الفرق بين الزهد في الدنيا وحالة العدمية

المصدر
الفرق بين الزهد في الدنيا وحالة العدمية كثير من الناس يقرأ كلام السلف في التزهيد في الدنيا ويرى شباباً يذمونها ويشتكون الاكتئاب الشديد ومنهم من يتمنى الموت ويظن أن بين الحالين تقاطعاً لاشتراكهما في ذم الدنيا والواقع أن الحالين متناقضان فإن الزهد الفاشي في زمن السلف مقدمته فهم أن هذه الدنيا ليست دار قرار ولا تصفو لأحد فيكون استصغارها من باب استعظام الآخرة ولما كان الناس الغافلين عن هذه الحقيقة المؤثرين للدنيا العاجلة يرتكبون البلايا من قطع الأرحام وأكل الأموال بالباطل وغيرها من صور الظلم، تنافساً عليها = خاف أولئك السلف على أنفسهم وذكروا أنفسهم بحالها مراراً وذكروا أنفسهم بأن المرء ينبغي أن يأخذ منها الكفاية فحسب، وأنها مزرعة للآخرة فلا ينبغي أن ينظر إليها مجردة عن هذا المعنى فالزهد السلفي حقيقته ألا ينظر للدنيا دون النظر للآخرة وهذا لا يؤدي إلى خراب الدنيا بل على العكس = يؤدي إلى صلاحها وإلى القناعة والتكافل وغيرها من المعاني مع تحرر القلب من سلطة الشهوات ويصور العالمانيون وأضرابهم ومن تأثر بهم من المنتسبين للمِلة أن الزهد يعني الدروشة وليس كذلك! فعمر بن الخطاب كان زاهدا، وكذلك عمر بن عبدالعزيز وهذا سفيان الثوري زاهد، وكذلك أحمد ابن حنبل، وقبلهما الحسن البصري وهؤلاء أثروا في واقع المسلمين على مر التاريخ بما تركوه من علم وفضائل = ربما انتفع بها بعض الناس ولم يعلموا أثرهم فيها ولكن رُبّ جهد مغمور في الأرض معروف في السماء وأما الحالة التي توجد عند بعض الشباب ممن تراه يذم الدنيا ويتمنى الخلاص منها فسببها أنه لم يحصّل حظه منها، وأيِس من ذلك وهو تسيطر عليه خيالات الفردوس الأرضي وعلامة هذا الضرب شدة حسده لأهل الدنيا وتأسفه على ما عندهم بخلاف الضرب الأول، فتجده يبغض ما يأتون من المنكر، ولكنه لا يرى نفسه دونهم، بل يشفق عليهم لأنهم إذا لقوا الله فسيكون الأمر عليهم شديداً نعم يأمر وينهى ويغضب للحرمات وينتصر للضعفاء ولكنه لا يتمنى أن تنتقل أحوالهم أو بعضها إليه، ولا يشعر بتقزم أمامهم يظهره بشدة التأسف والتحزن وأمارة مثل هذا أنك تجده في كلامه على ذنوب الضعفاء أو نظرائه في قلة الدنيا = أضعف منه في كلامه على ذنوب أرباب الدنيا، وإن كانت هذه الذنوب تصل إلى الشرك أو الكبائر أيضا والضرب الأول يفرحون لأهل الإيمان إن رأوا فيهم خيراً ويعظمون المعاني الدينية والاعتقاد الصحيح وأما الضرب الثاني فلا يسعدهم ما يرون في الناس من خير بل ينظرون دائماً إلى جهة النقص ويكثرون العويل عليها وهم إنما يبكون على ما فاتهم، ويتكلم أحدهم وكأنه ليس معه من نعمة الإيمان والاستقامة التي يظهرها بعضهم شيء ولا يطبق قوله تعالى: {فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} وهذه الآية رُقية لهؤلاء وتسمع من بعض أفراد الضرب الأول تمنياً للموت ولكن سببه الخوف على دينه من الافتتان كما حصل مع أحمد بن حنبل بعدما علا أمره في الناس وإلا فلا يشرع تمني الموت لغير هذه الحال وأما الضرب الثاني، فإن المرء فيهم يتمنى الموت لشدة إياسه من أن ينال مراده من الدنيا فما عاد يطيق أن يبقى في الدنيا وهو يراها في يد غيره فيما يظن. ومن يتأثر بفكرة الفردوس الأرضي يكون محلا قابلاً لمثل هذه المشاعر في أوقات الهزيمة والاستضعاف وهذا يفتح أيضاً باباً لاختراق الوسواس فيهم وبعض الشباب تأملت في حاله وبقيت معه سنوات أسمع منه فكان يتكلم بنحو العدمية حتى خاطبت بعضهم بالأمس بنحو هذا الكلام وكشفت له عن مشكلته الحقيقية قد لا يفهم كثير من الناس هذا الكلام وقد يظن أننا نسيء الظن بكل من تكلم بالأمر والنهي أو ذم أهل الترف والفسق والتسلط بل كل من أظهر حقاً وخيراً لم يجز إساءة الظن به بغير قرينة، وإلا سلطنا أهل النفاق على أهل الإيمان وإنما المراد أن يتفقد المرء نيته دون وسواس، ويعرض نفسه على الأمارات التي ذكرتها إذ لا أحد تؤمن عليه الفتنة فالمراد اتباع السلف والانشغال بإصلاح النفس أولاً، ثم من حولك ثانياً، قدر المستطاع وعدم اليأس من روح الله، والعلم بأن هذه الدنيا ممر والاعتزاز بالإيمان والفرح به، لأنه خير مما يجمع الناس ويفرح المرء بنعم الله عليه، الدنيوية والدينية ويشاهد تقصيره في ذات الله وعظيم فضل الله عليه وينتفع من الطيبات ولا يكون مستعبداً لها شديد التأسف والجزع إذا ذهبت منه ، فمن جعل الآخرة مطية للدنيا ضيع الاثنين ومن جعل الدنيا مطية للآخرة كان له الحظ الأوفى ولا نعيم كامل إلا في الآخرة ( لا عيش إلا عيش الآخرة )