من جديد: من أحوج لمن؟
من جديد: من أحوج لمن؟
كنت قد قلت في مقال سابق لي وأنا أتكلم عن الأشعرية: وعليه فإن الفرقة التي معظم نتاجها العلمي الذي يعتد به ظهر في القرون المتأخرة هم آخر فرقة تزعم احتياج الناس إليها، فإن هذه الحجة ستنقلب عليهم بأن أئمتهم الذين يفرحون بمصنفاتهم دائماً يعترفون بالانتفاع من مؤلفات لأناس على غير عقيدتهم، فهم بسبب ظهورهم المتأخر تاريخياً ومرورهم بمدة كانوا فيها قلة جهودهم العلمية ظهرت متأخرة، ولكنهم يستغلون اليوم أن أكثر العوام لا يضبطون هذا الأمر، ولو قلت لهم أن الغزالي وأحمد ابن حنبل عاشا في زمن واحد فإنهم لن يستغربوا ذلك! والمؤلفات كلما تأخر زمانها كلما كانت مظنة للمحدثات، وما نبغ رجل في عصره إلا بنظره في كتب المتقدمين ونقده ما شاع من الغلط في المتأخرين.
أقول: وقد أرسل لي غير واحد من الأخوة اليوم خبر اكتشاف شرحين لقوام السنة الأصبهاني، أحدهما على صحيح البخاري والآخر على صحيح مسلم.
قال المحققون لشرحه على صحيح مسلم: "ومن مزايا كتاب التحرير ومسلكه أنه يعتبر من الشروح الأولى لصحيح مسلم، فهو الثالث بعد شرحي الإمامين المازري وعبد الغافر الفارسي، ويعد من بواكير عناية علماء المشرق بصحيح الإمام مسلم،
ومن أهميته كثرة إفادة الأئمة منه كابن تيمية والفاكهاني وابن الملقن والعراقي والعسقلاني وغيرهم من شراح السنة، واعتمده الإمام النووي ضمن مصادره العلمية في شرحه مسلماً".
ثم ذكروا أنه استفاد منه في 55 موضعاً مما أحصوه بين أيديهم.
ويقولون أيضاً: "وقد اشتهر محمد بن إسماعيل بـ(شارح مسلم) بين المترجمين".
وقد بدأ الابن الشرح فمات فأكمله والده.
ومن أراد أن يعرف عقيدة قوام السنة الأصبهاني في الأشعرية فلينظر في كتابه الحجة في بيان المحجة.
قال الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة: وحدثنا والدي، نا أحمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو حاتم الرازي قال: من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود ابن علي أن لفظهم القرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا - صلى الله عليه وسلم - مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن فجهمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرا أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك.
وهذه العقيدة التي نقل الإجماع على اعتبار قائلها جهمياً هي عقيدة الأشعرية.
قال الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة: "وقالت الأشعرية: كلام الله واحد، وقالوا: ما بين اللوحين حكاية عن كلام الله، وعبارة عنه".
وكلمته السابقة في تجهيم ابن كلاب نقلها بعد ذكره لكلام الأشعرية لأن مقالتهم ومقالته واحدة على التحقيق.
وقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ناصحاً رجلاً شافعياً أشعرياً كما في الدرر السنية: "وأنا أدعوك إلى التفكر في هذه المسألة، وذلك أن السلف قد كثُر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين، وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم، وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية: البيهقي والبغوي وإسماعيل التيمي ومن بعدهم، كالحافظ الذهبي؛ وأما متقدموهم: كابن سريج والدارقطني وغيرهما، فكلهم على هذا الأمر؛ ففَتِّش في كتب هؤلاء، فإن أتيتني بكلمة واحدة أن منهم رجلًا واحدًا لم يُنكِر على المتكلمين، ولم يكفِّرهم، فلا تقبل مني شيئًا أبدًا، ومع هذا كله، وظهوره غاية الظهور، راج عليكم حتى ادعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون، والله المستعان».
والتيمي المذكور هو قوام السنة الأصبهاني، وكتابه الذي يحيل عليه الشيخ هو الحجة في بيان المحجة.
ومع ذلك استفاد الأشعريون من كلامه وشرحه، ولم يلزموا أنفسهم بأن يجعلوه محنة كلما جاء أشعري وبدع المخالفين أو حتى كفرهم يقال له: ما تقول في قوام السنة الأصبهاني؟
وكتابه الترغيب والترهيب وكتاب المنذري هما كالأصل للكتب المتأخرة في الفضائل.
وهناك المئات من العلماء الذين لهم رأي سوء في الأشعرية، والقوم مصرحون بالانتفاع بهم. حتى رأيت أحدهم يزعم أن الحاكم النيسابوري أشعري، يعني على مذهب المتأخرين منهم.
قال الحاكم في معرفة علوم الحديث سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: «من لم يقر بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر بربه يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون، والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال صلى الله عليه وسلم».
ونقل هذا الكلام مقراً فهو لا شك ليس على عقيدة متأخري الأشاعرة.
=