كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تأمل هذا القول العاطفي المحض، ثم تفريع الحسن البخاري هداه الله على ذلك تكفير الم

المصدر
تأمل هذا القول العاطفي المحض، ثم تفريع الحسن البخاري هداه الله على ذلك تكفير المتكلم بما هو ظاهر في الأحاديث، بل ويدل عليه ظاهر القرآن. وهذا الذي يروّجون له ما هو إلا مذهب الشيعة، ولذلك حين يوجد أمر مقابل على المرء أن يفهم لا أن يكثر الفذلكة. جاء في «كشاف القناع» من كتب الحنابلة: "باب نكاح الكفار وما يتعلق به (حكمه حكم نكاح المسلمين) لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقال: {وامرأته حمالة الحطب}، وقال: {امرأت فرعون}، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ولدت من نكاح لا من سفاح»". وهذا استدلال سيار في كتب الفقهاء، يستدلون بهذا الحديث على صحة أنكحة الكفار. وجاء في «شرح الزيادات» لقاضي خان وهو كتاب فقه حنفي [6/2099]: "لأن أنكحة الكفار صحيحة، قال عليه السلام: «ولدت من نكاح، وما ولدت من سفاح»". وجاء في «كفاية النبيه» لابن الرفعة من كتب الشافعية [13/210]: "اعلم: أنه لابد من تقديم قاعدة يبنى عليها حكم هذه المسألة، وهي أن أنكحة الكفار الذين يعتقدون صحتها ما حكمها؟ وفيها ثلاثة أقاويل، نقلها بعضهم أقوالاً، وبعضهم وجوهاً: أصحها: أنها محكوم لها بالصحة، ولم يذكر في الشامل سواها في بابها، وإن حكى غيرها في التفريع؛ لقوله تعالى: {وامرأته حمالة الحطب} [المسد: ٤]، وقوله تعالى: {وقالت امرأة فرعون} [القصص: ٩]، ولما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «ولدت من نكاح لا من سفاح»". وجاء في شرح مختصر القدوري للكرخي وهو كتاب فقه حنفي [3/402]: "وقال النبي ﷺ: «ولدت من نكاح، ولم أولد من سفاح»، وإن كان (آباؤه كفارًا)". وهذه مجرد نماذج، وإلا فكلام الفقهاء في هذا أكثر من أن يحصر بسهولة، فينتهي هؤلاء إلى تكفير ولعن عامة فقهاء الأمصار واتهامهم بإساءة الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم. ويا ليت شعري كفار قريش استغربوا دعوة التوحيد واحتجوا بآبائهم، فكيف يقال قد تسلسل فيهم التوحيد في ساداتهم من بني هاشم والحال هذه! وقال الواحدي في «الوجيز»: "(ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك) وهذا حين دعي إلى دين آبائه". وتجد مثل هذه الكلمة (دعوه إلى دين آبائه) في تفسير الثعلبي والقرطبي والعليمي والكوراني والكرماني والنسفي وابن عادل والبغوي والخارن وابن الجوزي وغيرهم، بل وفي تفسير الجلالين يذكرون رواية عن أبي سفيان يقول في النبي -صلى الله عليه وسلم-: وفارق دين آبائه. وكلهم تبعوا في ذلك مقاتل بن سليمان. وقال محمد أنور شاه الكشميري الديوبندي في «فيض الباري» [1/118]: "(ابن أبي كبشة) تعريض بالنبي -صلى الله عليه وسلّم- فإن أبا كبشة كان رجلًا في الجاهلية ترك دين آبائه وعبد الشعرى، فكذلك النبي -صلى الله عليه وسلّم- انتقل إلى دين آخر وترك دين آبائه". وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: «انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا» فقال كاتب له: «كان أبو النبي كافرا» فقال: «جعلت هذا مثلا! فعزله» وقال: «لا تكتب لي أبدا». هذا الأثر يتداوله الناس هذه الأيام لتبرير التأليب الأمني على بعض من يخالف في أسلوبه، والعجيب أن الملا علي القاري في شرحه على الشفا قال معلقاً عليه: "وهذا يوافق ما قال إمامنا في الفقه الأكبر أن والدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماتا على الكفر، وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة، ودفعت فيها ما ذكره السيوطي من الأدلة على خلاف ذلك في رسائله الثلاث، لكن لا يجوز أن يذكر مثل هذا في مقام المعيرة". وعامة أهل العلم حملوه على ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلاً لدفع معرة شخص، كأن يقول المرء: أنا فقير والنبي فقير. وأما من يقول كلمة في سياق تعظيم خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- والتشديد على الذين أخذتهم العاطفة حتى لعنوا وكفروا مخالفهم كما ترى عندك، فبابه آخر. خصوصاً في بلد يتكلم فيه العلماني بإنكار السنة وداعية الشرك بشركه ولا يُمسّون بشيء. علماً أن هذا اللفظ للأثر لم أجده مسنداً، وهناك لفظ في «ذم الكلام» للهروي يذكر أن أبا العامل كان زنديقاً، وهذا اللفظ في سنده يونس العسقلاني ضعيف. وأصح ألفاظ الأثر ما روى ابن عساكر: "قال عمر بن عبد العزيز لسليمان بن سعد قد بلغني أن أبا فلان عاملنا كان زنديقا، قال وما يضرك يا أمير المؤمنين كان أبو النبي -صلى الله عليه وسلم- كافرا فما ضره، فغضب غضبا شديدا وقال: ما وجدت له مثلا إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- فعزله". هذا هو اللفظ الصحيح، ولا يفيد المستدلين، لأن عامل عمر بن عبد العزيز أراد التهوين من وجود عامل زنديق بقياس ذلك على كفر والد النبي -صلى الله عليه وسلم، وهذا قياس فاسد وسوء أدب، فالعامل يملك الوالي عزله، فمن تأمل اللفظ الثابت استبان له بعده عن محل النزاع.