كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حل الإشكالات وكشف الشبهات وتأثير الكوبرا

المصدر
حل الإشكالات وكشف الشبهات وتأثير الكوبرا قال شيخ الإسلام: "وقد ذكرنا غير مرة أن المقدمة إذا كانت معلومة، مثل علمنا بأن المحدث لا بد له من محدث، بل مثل علمنا أن هذا المحدث له محدث، كان العلم بها كافيًا في المطلوب ما يرد على الأمور المعلومة هو من جنس (شبه السوفسطائية) التي لا نهاية لها. فيجب التفريق بين ما يكون من المقدمات (خفيا على أكثر الناس) ويحتاج إلى بيان وبين ما يكون (معلوماً لأكثر الناس) والشبه الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية ولما كان (أهل الكلام) كثيرًا ما يوردون ويورد عليهم ما هو من جنس شبه السوفسطائية كما يورده الكفار الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق لم يكن لهذا حد محدود ولا عد معدود! بل هو بحسب ما يخطر في القلوب، ولهذا صار كلما طال الزمان أورد المتأخرون أسئلة سوفسطائية لم يذكرها المتقدمون! وزاد المتأخرون منهم مقدمة في الدليل لدفع ذلك السؤال!". [ درء تعارض العقل والنقل 2 / 132 ] أقول: هذا الكلام كنا نقرأه قديمًا ونمر عليه مرور الكرام، غير أننا اليوم بعدما كثرت الشبهات والردود عليها فلا بد من وقفة. هنا قصة مشهورة عن دخول البريطانيين إلى الهند وأنهم تأذوا من حيّات الكوبرا والتي كان السكان الأصليون يحسنون التعامل معها، فوضع البريطانيون جائزة لكل من يأتي برأس حية كوبرا. وفعلًا بدأ الهنود باصطياد الحيات، غير أن بعضهم صار يربي عنده حيات صغيرة حتى إذا كبرت أظهرها للبريطانيين على أنه اصطادها ليكسب من ذلك رزقًا. صار هذا الأمر يسمى إعلاميًّا بـ (تأثير الكوبرا) ويضرب مثلًا لكل من يفتعل أزمة ويقوم هو بحلها فيظهر بصورة البطل، والأزمة لولاه لم توجد أصلًا. ما يحاول الشيخ بيانه هو أن كثيرًا من كلام المتكلمين هو من هذا الجنس، وهذا يكثر في المتأخرين جدًّا ويحسبهم كثير من الناس أعلم من السلف لهذا الداعي. وداعي صنيعهم هذا أن التنافس يكثر بينهم فيصير كل إنسان منهم يبحث عما يميزه فيُكثِر إيراد الأسئلة والإشكالات، وهناك مَن يحسب أن العلم لا يكون إلا كذلك لأنه هكذا تلقاه. ومنهم من فيه شهوة الترقي على العوام فيُعقِّد ما يسره الله عز وجل ولا يطرب للفائدة حتى يصيغها صياغة تعسر على الناس إلا بشرح أو يورد عليها بعض الإشكالات البعيدة. الشيخ كان يتحدث عمن يناقش في الضروريات وكأنها قضايا نظرية يستدل لها، وفي زماننا كثير ممن يطرح الشبهات ومن يجيبه يقعون في هذا الضرب من الإشكال أو نظيره. فتجد طارح الشبهة ينطلق من مقدمة غير مسلَّمة بل يخالفها عامة العقلاء مثل مقدمة مركزية مصلحة الإنسان بالمعنى العالماني أو المساواة بين الذكر والأنثى.. فتجده يقول لك: (لماذا رب العالمين ينعت الكفار بكذا وكذا) فهو كأنه يقول لماذا دينكم يتعامل مع نفسه على أنه صواب. أو يأتيك فيقول: (لماذا دينكم يحرم الشذوذ الجنسي؟) وكأن إباحة الشذوذ الجنسي من المسلَّمات. ومثل هذا بمجرد أن تتحول من مجيب على أسئلته بصورة دفاعية إلى مستفسرٍ منه مطالبٍ إياه بأن يقيم بينات على ما يقول فسترى ضعفه حقًّا. التنزل للخصم بالتسليم لمقدماته بشكل مستمر غلط عظيم، والحديث بصورة الدفاع دائمًا مع افتراض أن كل ضال إنما ضل عن شبهة قوية هذا أيضًا بلاء. بعض المشتغلين ربما تأثر بطريقة المتكلمين حين يورد بعضهم على نفسه الإشكالات ويختبر ذكاءه بذلك، غير أن هذا ليس طريق الهدى الحق، وكذلك ليس طريقُ فهم إعجاز القرآن بكثرة الإشكالات على ألفاظه ثم محاولة استخراج النكت البلاغية فحسب، ففي الألفاظ والمعاني التي يفهمها عموم الناس علومٌ عظيمة ربما إشغال الذهن بتلك الدقائق يُلهي عنها. وقد جاءتني اليوم أسئلة من ملحد يقول: أقنعني بأن الدين فيه عدل. فقلت له: أقنعني أن الإلحاد أعدل من الدين، لو عاندتك فعندي العناد سيحاسبني عليه الله، وأما أنت فالعناد لا مشكلة عندك فيه فلا آخرة ولا حساب. والأمر لا يقف عند الملاحدة بل هو في طريقة تلقي العلم عند المنتسبين للسنة وفي النظر في أحكام المخالفين، فكثير من القضايا التي تنازع فيها الناس في أمر العقيدة تعود إلى بينات فطرية أو نصية واضحة ويظن الناس فيها الغموض لأنهم ينظرون إليها من خلال فروع الفروع أو من خلال التعقيدات اللفظية أو من خلال محاولة إثبات القضايا الضرورية ويظن خفاءها لأنها خالف فيها فلان وفلان من المعظَّمين في نفسه. ومنهم من يجد اليقين ويخشى من إظهاره لئلا يُتهم بالتعصب أو الغلو من قوم حصروا الفضيلة في الحياد العلمي ورأوا أنه ما ناله قوم إلا هم ويعيبون على غيرهم اعتقاد الصواب والحق في اعتقادهم وحدهم.