كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أنفع الناس للناس من صان نفعهم للناس..

المصدر
أنفع الناس للناس من صان نفعهم للناس.. عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله تعالى، أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا. ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرا. ومن كف غضبه، ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». رواه الطبراني في الكبير والأوسط. وتنازع الناس في تضعيفه وتحسينه، وأنا مائل لقول من ضعفه، غير أن معناه ليس بعيداً عن الصحة، خصوصاً شطره الأول الذي فشا في الناس (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس)، وكثير منهم يفهمه فهمه ضيقاً. قال أحمد في مسنده: "27361 - حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان قال: سمعت جابرا قال: حدثتني أم مبشر امرأة زيد بن حارثة، قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط فقال: «لك هذا؟» ، فقلت: نعم، فقال: «من غرسه؟ مسلم أو كافر؟»، قلت: مسلم، قال: «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طائر، أو إنسان، أو سبع، أو شيء إلا كان له صدقة». تأمل سؤال النبي صلى الله عليه وسلم (من غرسه؟ مسلم أو كافر) فلما علم أنه مسلم بشره بالأجر، وإن كان كافراً فلا أجر له في الآخرة قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً}، وفي الحديث: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها». فأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس بشرط أن يكون مسلماً، ولا يفعل ما يحبط عمله، وبالتالي من صان عقائد الناس عن الشرك والتعطيل الذي يحبط الأعمال فهو أنفع الناس للناس، لأنه يصون نفعهم للناس من الحبوط وذهاب الأجر. اليوم يفهمون النفع للناس بفهم ضيق، فيرون أن من ينفع الناس هو من يعطيهم المال، ومن يدفع عنهم الظلم، ومن يعبد طرقاتهم، ومن يسعى في حوائجهم، وكل ذلك من النفع العظيم للناس ولا شك، ولكن أيضاً ممن ينفعهم نفعاً أعظم من يعلمهم ما ينفعهم في آخرتهم، وما يصحح لهم عقائدهم وعبادتهم، وما يكفر به ذنوبهم ويحذرهم من الشرك والبدع والمعاصي. ويعقل كثير منهم أن الغيبة تأكل الحسنات، ولا يعقل أن الاعتقاد الفاسد يأكلها أيضاً، وبرهان ذلك حديث الحوض «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، فهؤلاء قوم استحقوا الثواب، ولكن منع من ذلك أمر أحدثوه، وهذا يشمل المحدثات القلبية واللسانية والجوارحية.