بين الرقائق الدينية والأخلاق النفعية
بين الرقائق الدينية والأخلاق النفعية
اليوم في ظل سيطرة منظومة الأهداف المعلمنة صار الناس يفهمون الأخلاق فهمياً مادياً نفعياً محضاً ولذا تأتي دائماً المفاضلة بين الكافر الخلوق والمسلم سيء الخلق
ويظن كثيرون أن الأخلاق الدينية تختصر في المعاملات ولهذا عندنا العقائد والأحكام والأخلاق الحسنة بمعنى ما يضبط التعامل بين الناس
وسقط سهواً باب عظيم اسمه باب الرقائق الذي يكون فيه ضبط الأحوال القلبية مع الله عز وجل من الإخلاص والندم على المعصية المؤدية للتوبة والاحتساب المؤدي لاستهوان التنازل عن الحق مع الغبطة التامة بذلك وغيرها من المعاني
ولو تأملت قصة ابني آدم لوجدت أنها منبهة على هذه المعاني فإن العهد كان قريباً بالسماء وكلما كان الإنسان مستحضراً للغاية من الخلق كلما كان أقرب لاستحضار هذا الباب
ففي قوله : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) تنبيه على معنى الإخلاص وهذا باب مغفول عنه في تقويم الأفعال والأفراد فمثلاً يقولون ( كافر خلوق ) في مقابل ( مسلم سيء الخلق ) وينسون أمراً هاماً وهو أن الكافر ما فعل ذلك إخلاصاً لله وتحقيقاً للغاية التي من أجلها خلق فكان محسناً للمخلوق مسيئاً للخالق مستخدما نعمه في غير ما أراد ولذا التساؤل عن كون هؤلاء لماذا لا يدخلون الجنة ؟ تساؤل سخيف
فالإخلاص تحقيق للغائية هكذا ينبغي أن ينظر إليه فلو قدر أن كانت عندنا دولة وترك بعض أهل الشر الشر خوفاً من العقاب فذلك إنجاز كبير ولكن الإنجاز الأكبر أن يفعلوا ذلك إخلاصاً واحتساباً ولهذا حتى مع قيام الحكم العادل لا يستغنى عن الواعظ والفقيه
ومن قام في قلبه الإخلاص فإنه لا يتأثر بتبدل الدول وأما من كان ينافق الأكثرية فهذا الذي تراه يتقلب وتأتي المحن والفتن لتفضح هذا النوع ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)
وفي قوله تعالى : ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين )
التنبيه على أصل التوبة فالتوبة الندم كما ورد في الخبر وفي القوانين الدنيوية هناك جنايات لا تغتفر ، وحتى في الشريعة الإسلامية عامة الحدود إذا رفعت للإمام وثبت على الشخص الجناية لا تشاهد توبته من الأمر وإنما يطبق عليه العقوبة الظاهرة فتكون له كفارة ورفعة درجات ( ولهذا بعض أهل العلم كان لا يسمي عقوبة الردة حداً لاعتبار التوبة في إسقاطها )
غير أن في تعاملك مع رب العالمين كل الذنوب يمكن أن تغفر قبل الغرغرة بمجرد أن تتوب منها توبة صادقة وهذا عنوان ديني خالص
وفي قوله : ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين )
التنبيه على أصل الاحتساب في العفو فإن النفوس تطلب الانتقام وفقط من يستحضر أمر الآخرة ويرجو أن يعفو الله عن ذنوبه من يجد في نفسه حماساً شديداً للعفو ( وله الاقتصاص ) عسى الله أن يعفو عنه وقد يقع العفو من الناس على غير هذا المعنى ولكن هذا هو المعنى الأجل والأرسخ
ثم في القصة نفسها التنبيه على أصل عظيم من أصول الرذائل وهو أصل الحسد والذي تنميه المنظومات المادية التنافسية فمن يتصور مجتمعاً خالياً من التقوى والتفكير الأخروي ثم هو لا يفشو فيه الحسد هذا يتصور مستحيلاً
وقد كان بعض السلف يقول ما حسدت أحداً على نعمة فإن كان من أهل الجنة فما ينتظره أعظم وإن كان من أهل النار فعلام أحسده وعاقبته إلى النار
والمراد التنبيه عليه أن النظرة السائدة في زماننا عن مفهوم الأخلاق الحسنة نظرة سطحية جداً كعامة منتجات المادية وقد بني على هذه النظرة الاستهانة بأمر الرقائق وتصويرها على أنها دروشة تلهي عن المقصود الأعظم وفي الواقع هي فيها التنبيه على المقصود الأعظم وكل ما لم يبنَ عليها فهو على جرف هار ولهذا التقدم المادي المحض ما زاد البشر إلا شقاء.