كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لماذا لم تقتدِ بنات فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم بأمهن؟

المصدر
لماذا لم تقتدِ بنات فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم بأمهن؟ أراني عدد من الأخوة منشورًا لياسر سلمي يقول فيه أن أول امرأة في الإسلام رفضت التعدد وهددت بالطلاق هي بنت النبي صلى الله عليه وسلم. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم تستدل مسلمة قبل هذا الزمان بهذا الحديث على كراهيتها للتعدد، أو مهاجمتها له، حتى وإن لم يكن لها علاقة بالأمر بل يكون رجل غريب عنها يعدد على زوجته فتغضب؟ فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم لها ابنة وهي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تزوجت رجلًا معددًا وهو عمر بن الخطاب. وأولاد فاطمة وهما الحسن والحسين كانا معددين وما اعترضت واحدة من زوجاتهم بأن أمهم فاطمة لم يتزوج عليها علي، ولما أراد الزواج بابنة أبي جهل قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال. ولا شك أن فاطمة يُسعدها كثرة ذرية أولادها، وكذلك حفيداتها عامتهن تزوجن معددين، حتى أن سكينة بنت الحسين التي كانت مشهورة بالجمال وتزوجت عدة مرات عامةُ زيجاتها كانت من معددين. وأمهات المؤمنين لم يقلن للنبي صلى الله عليه وسلم نحن نكره ما تكره ابنتك فاطمة فلا تتزوج علينا. كل هذا لم يكن، وعليه ما توجيه قصة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم إذ واضح أنها حالة خاصة؟ قال البخاري في صحيحه باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح وقال عمر: «إن مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت» وقال المسور: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صهرا له، فأثنى عليه في مصاهرته، فأحسن قال: «حدثني وصدقني، ووعدني فوفى لي». الحديث الأخير الذي أورده البخاري معلقًا هو حديث "فاطمة بضعة مني" فالنبي صلى الله عليه وسلم في سياق معاتبته عليًّا ذكر أبا العاص بن الربيع صهره الآخر وأنه وفَّى له ما وعده به. فقال العلماء أن كلا من أبي العاص وعلي شرطا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يتزوجا على بناته، وهنا اختلف نظر العلماء في هذا الشرط. فقال مالك والشافعي أن هذا الشرط لا يلزم الرجل لأنه ليس في كتاب الله، وثناء النبي صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بن الربيع دليل على أن الأمر اختياري وهو جعله اختيارًا. وأما المشهور من مذهب أحمد أن هذا الشرط لازم إن وضعه الرجل على نفسه، واليوم يشتد الحماس لاعتبار هذا الشرط، ولكنَّ الرجل الذي يُشترط عليه هذا الشرط عليه أن يطلب مقابلًا لهذا الاشتراط، فإسقاطه حقًّا من حقوقه لا بد أن يكون في مقابله شيء. ثم إن الاشتراط إذا كان دافعه ليس الغيرة، أو كون المرأة ذات مقام، أو كون والدها لا يريد أن يشغل ذهنه بحديث الضرائر مع شدة شفقته على ابنته وأشغاله، وإنما دافعه التأثر بثقافة غربية تسُبُّ التعدد مطلقًا، فمثل هذا لا ينبغي أن يراعيه المرء ولا أن ندخل الفتوى في هذا السياق. وأما أبو داود فبوَّب باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، وذكر هذا الحديث مع أحاديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها. فكأنه حمل الأمر على الخصوصية في أن المشكلة في الجمع بين ابنة نبي الله وابنة عدو الله فحسب، وهذا توجيه له حظه من النظر وغيره أقوى منه. ولو وقف المرء عند لفظة "إن فاطمة مني، وإني أتخوف أن تفتن في دينها" فرقيقة الدين أصالةً والتي ليس في دينها ما يُخشى عليه أنَّى لها أن تقيس نفسها على هذه، ولهذا استحيت بقية نساء الأمة أن يُدخلن أنفسهن في هذا القياس، وذلك أن الفتنة التي يتكلم عنها النبي صلى الله عليه وسلم شيء من النقص الذي يحتمل من غيرها جدًّا ولا يُحتمل منها لعلو مقامها كونها بضعة منه. ولا يوجد ذكر لكون فاطمة "هدَّدت" بالطلاق كما زعم ياسر سلمي، وإذا كان الرجل تزوج الأخرى فقد نُهيَ عن طلب طلاقها، ولكن لم يحصل شيء سوى الخطبة.