كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الصلابة في الحق القاطعة للتشغيب

المصدر
الصلابة في الحق القاطعة للتشغيب جزء كبير جدًّا من تشغيبات العالمانيين والملاحدة والمنصرين مبنية على استشناع الأحكام التي فيها تفضيل المسلم على الكافر، فتجدهم يشوِّشون على الجزية وحدِّ الردة وغيرها، فيؤَثِّرون على كثير من الطيبين من المسلمين. وكنت دائمًا أقول في جواب مثل هذا للمسلمين: ألستم تؤمنون أن الكافر سيخلد في النار على كفره؟ وهذا أمر أعظم بكثير مما يشنِّعون عليكم به. هؤلاء خلاصة تشنيعهم (دينكم باطل لأنه يُعامِل نفسه على أنه حق)! وهذه مغالطة هشة، بل الدين الذي يتمايز به الناس في الآخرة لا بد أن يكون له أثر في الدنيا إذا حكم أهل الإيمان، وهذا التمييز على أساس الدين رحمة بالكافرين، فكثير منهم كُفره شهوة، فيوضع مقابل الشهوةِ شدةٌ من أهل الحق تُعِينه على شهوته، والأحكام التسامحية إنما وُجدت ليجتهد أهل الحق بدعوتهم، ويأخذوا الأجر لذلك، ويهتدي منهم من يهتدي. ولكن اليوم كثير من الناس لا يفهمون أن الدين هو جواب الأسئلة الوجودية (من أين جئنا، وإلى أين نذهب، وما هدفنا في الدنيا)، ويحصرونه بكونِه ممارسة شخصية روحية، وهذا هو التعريف العالماني للدين، لذا يستثقلون كونَه مؤثِّرًا جدًّا في حياةِ الناس وتعاملِهم، مع كونهم يستوعبون أن يقع ذلك بالنسبة للوطن أو المصالح الشخصية الحاضرة. وأيضًا كثير منهم تأثَّر بفلسفة (تكافؤ الأدلة)، وهو مذهب سوفسطائي ينفي وجود حقيقة في القضايا التي يختلف فيها الناس، وهذا إلغاء لفائدة الحجج والبراهين وظنٌّ بأن الدنيا لا يوجد فيها هوى ولا مكابرة، ومع الأسف هذه الفلسفة توجد بين منتسبين للملة ولكن على نطاق ضيق يوسِّعه الزنادقة. وهذا المعنى في المصارحة القاطعة للتشغيب موجود في القرآن.. قال تعالى: "وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ". "يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا" هذا يشبه حال القوم من بعض الوجوه، فتجده منتفخ الأوداج ويقول: (كيف دين فيه من الأحكام كذا وكذا)، ويردِّدون عبارات تحريضية على أهل الإيمان، ثم غالبهم ينتهي إلى إلحاد ليس فيه معنى موضوعي للأخلاق! فجاء الجواب الذي يقطع أطماعهم "قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِير". ولما ضعفَ هذا الخطاب وصار الكثيرون من المنتسبين للملة يجيب القوم بأجوبة ضعيفة تُسَلِّم لأصولهم بهامشية القضية الدينية ومركزية الدنيا؛ تسلَّط القوم وطمعوا وكَثُر تشغيبهم.