كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فلسفة التقسيط والهوس الاستهلاكي.

المصدر
فلسفة التقسيط والهوس الاستهلاكي. وقع نزاع بين المعاصرين في بيع التقسيط، فذهب أحد المشايخ إلى المنع منه، وزعم أن هذا هو البيعتين في بيعة الذي نُهِي عنه في الحديث، وردَّ عليه آخرون وقالوا إن التقسيط جائز بالإجماع إذا اتفق عليه الطرفان، والبيعتان في بيعة هي إذا تردد بين بيعتين ولم يجزم بأحدهما، وهناك من فسَّر الحديث تفسيرات أخرى. وقد ملت إلى هذا وقلت إن مكاتبة الرقيق صورتها هي صورة التقسيط، ومحل التقسيط فيه ما لم يكن التأخر يؤدي إلى زيادة ربوية كلما تأخر المشتري. غير أنني أود الحديث عن الموضوع وفقًا للاقتصاد الرأسمالي الحديث وما يزرعه في الناس من عادات. لماذا يفضل كثيرون الشراء بالتقسيط على الادخار ثم الشراء حالًا (أي بدون تقسيط)؟ الجواب: هناك عدة سلوكيات محبذة في السياق الرأسمالي، وهناك سلوكيات غير محبذة، والتقسيط أنسب مع السلوكيات المحبذة. فالشراء حالًا (بدون تقسيط) معناه أن الإنسان سيتعود على الاقتصادِ والادخارِ لكي يجتمع عنده المال الكافي لشراء شيء معين، وهذا سيجعله أقدر على الاستقلالِ الاقتصادي (حين يجتمع عنده مال لفتح تجارة ولو صغيرة) والبعدِ عن منظومة الوظيفة والبعدِ عن الحاجة إلى القروض البنكية، وهذا أيضًا إسلاميًّا أفضل، فالمال المدخر تأتي عليه الزكاة فيكون فيه حظٌ للفقير والمسكين. وأما التقسيط فليس فيه هذا المعنى، وإنما تقتطع من راتبك مبلغًا شهريًّا، وكثير من الناس تجتمع عليهم أقساط عدة تستهلك رواتبهم ولا ينتبهون إلى الأمر إلا بعد فوات الأوان، لأن كل قسط يكون منفصلًا زمانيًّا عن الآخر، فكثيرون لا يلاحظون إلا عندما يجتمع الأمر، وكونك ستدفع مبلغًا تراه يسيرًا تراكميًّا لا يجعلك هذا في الغالب تدقِّق تدقيقَ من قتر على نفسه وجمع المال حتى يشتري السلعة، والذي في الغالب سيحافظ عليها ولن يفكر باستبدالها إلا بعد أن تصير غير صالحة للاستخدام. ومن ناحية الأحظى للفقراء فمال المقسِّط ينفَق مباشرة فلا تجب فيه زكاة. داعي هذه الخاطرة أنني أذكر من مناقب بعض طلبة العلم في بلادنا أنه اقتنع بقول أحد المشايخ بعدم جواز التقسيط (والذي أخالفه بهذا الإطلاق)، فاشتهر أنه حين أراد شراء سيارة كان يدخر ويجمع الدينار على الدينار حتى اشتراها. وفائدة قصته المقدرةُ على كسر القوالب الذهنية، فاليوم كثير من الناس يظن أنه لا يمكن أن يعيش بدون بعض المحرمات والشبهات فضلًا عن بعض المباحات، والواقع خلاف ذلك، وقد تدبرت اليوم في قصة هذا الرجل التي سمعتها من سنوات فجاءت هذه الخاطرة.