لماذا ربط جرائم النصيرية بمعتقدهم وفيهم أبرياء؟ (علاقة العقيدة بالفساد السلوكي)
لماذا ربط جرائم النصيرية بمعتقدهم وفيهم أبرياء؟ (علاقة العقيدة بالفساد السلوكي)
يعيب بعض الناس على من يذكر فساد معتقد النصيرية عند ذكر جرائمهم التي رآها العالم أجمع، أو رأى جزءاً منها على التحقيق، فانطبق عليها الخبر المروي: «ليس الخبر كالمعاينة».
ويستندون في عيبهم هذا على أمرين:
الأول: أن هناك مجرمين من أبناء الطائفة السُّنية.
الثاني: أن فيهم من لم يفعل ذلك، فلِمَ يُربط الأمر بالمعتقد؟
فيقال جواباً عن هذا:
المعتقدات الفاسدة بينها وبين السلوكيات الفاسدة اتصال، إذا طبقها فاسد الاعتقاد يكون متسقاً مع اعتقاده، وإن لم يطبقها كان غير متسق مع معتقده.
قال تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدِّين • فذلك الذي يدعُّ اليتيم} [الماعون].
لا يمكن أن يُعترض على هذه الآية بكرماء العرب كحاتم الطائي ونظرائه، فإن هؤلاء عملهم مفاخرة، والمرء إذا بخل عن الإنفاق فإنه يمكن أن يعلِّل ذلك بكفره بالبعث وأنه لا يؤمن بخلف الله عز وجل عليه، وأما إن أعطى فلا يمكن أن يعلِّل هذا بكفره بيوم القيامة!
وجرائم الفرق الباطنية -كالنصيرية- على مر التاريخ لها اتصال بعقائدهم، حتى إن ذلك مدوَّن في كتب أهل العلم القدامى.
قال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» [35/157]: "وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء؛ فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم. ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم؛ فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال؛ لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة؛ لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف. فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من حمل السلاح ولا أن يكونوا من المقاتلة".
ذكر عدم تمكينهم من السلاح ومنعهم من مرافقة المقاتلة لما أُثِر عنهم من الغدر بأهل الإسلام والنقمة عليهم والبطش بهم.
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية»: "وفي هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعي علي بن أبي طالب فاطر السموات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف، وبلادا كثيرة ونيابات، وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلو خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان.
وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد واإسلاماه، واسلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله عزوجل، فجمع هذا الضال تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين.
وقال لهم لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها.
ونادى في تلك البلاد إن المقاسمة بالعشر لا غير ليرغب فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: قل لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي، الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك".
وهذا يذكرنا تماماً بفعالهم في بداية الثورة السورية حين كانوا يقولون للناس قل (لا إله إلا بشار) واسجد لصورة بشار.
وقال ابن تيمية في «منهاج السنة» [4/592]: "ومن العجب من هؤلاء الرافضة أنهم يدَّعون تعظيم آل محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- وهم سعوا في مجيء التتر الكفار إلى بغداد دار الخلافة، حتى قتلت الكفارُ من المسلمين ما لا يحصيه إلا الله تعالى من بني هاشم وغيرهم وقتلوا بجهات بغداد ألف ألف وثمانمائة ألف ونيفا وسبعين ألفا وقتلوا الخليفة العباسي، وسبوا النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين".
وكلام الشيخ هذا يوجَّه للرافضة اليوم الذين يرفعون شعار (لن تُسبى زينب مرتين) ويتظاهرون بالغيرة، ثم يدعمون نصيرية زنادقة يهتكون الأعراض ويستبيحون كل حرمة.
وقال الكشي في رجاله (وهو من كتب الشيعة في الرجال) وهو يتكلم عن مؤسس النصيرية: "وكان محمد بن موسى بن الحسن بن فرات يقوي أسبابه ويعضده، وذكر أنه رأى بعض الناس محمد بن نصير عيانا، وغلام على ظهره، فرآه على ذلك، فقال: إن هذا من اللذات، وهو من التواضع لله وترك التجبر، وافترق الناس فيه بعده فرقا".
وذكر عنه استباحة الحرمات عامتها، فهذا ما في كتبهم عن القوم، ومع ذلك ناصروهم بكل ما أوتوا من قوة حتى أخزاهم الله جميعاً.
وأما أمر وجود أناس من أهل السنة فهؤلاء لهم تبع وما ساروا على معتقدهم، والمرء المنتسب للسنة قد يكون مع انتسابه من أكفر الخلق سباباً لله وأوليائه موالياً لأعدائه مُقدماً على كل عظيمة.
وفي الحديث: «الإيمان قيد الفتك» وهو قتل المسلم خداعاً بعد تأمينه، فما بالك بتلك الجرائم؟
هل تغبطه أم تشفق عليه؟
قال ابن أبي شيبة في «المصنف»: "26892- حدثنا أبو خالد، عن عوف، قال: سمعت شيخا قبل فتنة ابن الأشعث فنعت نعته، قالوا: ذاك أبو المهلب عم أبي قلابة، قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه، فذهب سمعه ولسانه وعقله وذكره فلم يقرب النساء فقضى فيه عمر بأربع ديات".
أقول: شرح الأثر أن مما اتفق عليه الفقهاء وقضى به عمر -رضي الله عنه- هنا أن من فقد عضواً لا يوجد منه إلا واحد أو فقد حاسة يُقضى له بدية رجل كاملة.
وهنا الرجل فقد سمعه ولسانه وعقله وقدرته على الجماع، فقضى له عمر بأربع ديات، لكأنه قُتِل أربع مرات.
الدية الواحدة ثروة مائة من الإبل، فما بالك بأربع؟
قد يعمل المرء عمره كله ولا يجتمع له نصف هذا المال.
ومع هذا كله لو حصل هذا الأمر لشخص في زماننا هل تغبطه أم تشفق عليه؟
في الغالب ستُشفق عليه لفقدانه تلك النعم العظيمة، ولو عوِّض بكل هذا المال.
هذه النعم التي تتمتع أنت بها ولا تعرف قيمتها هي ثروة، ولو نقايضها بكنوز.
ككثير من النعم التي فقدنا الإحساس بها بسبب إلفنا لها، ولا نعرف قيمة الأمر إلا إذا فقدناه أو رأينا فاقده وكان لنا قلب يعي.
وأسوأ من حال هذا المبتلى الذي فُدي بتلك الديات حال من أنعم عز وجل عليه بنعمة، فصيَّرها في المعصية أو كسب مالاً من الحرام، فإن التعرُّض لعقوبة الله عز وجل أعظم من التعرُّض لأي أذية في الدنيا.
فكما أنك لا تغبط هذا المبتلى، فكذلك لا تغبط عاصياً نال من معصيته لذةً، بل الأخير أولى بالشفقة وحمد الله عز وجل أنك لم تكن مكانه.