كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هذا مقال للدكتور مروان الزعبي وهو خبير مالي اقتصادي بعنوان :

المصدر
هذا مقال للدكتور مروان الزعبي وهو خبير مالي اقتصادي بعنوان : الرأسمالية متوحشة ولا إنسانية منشور قبل عامين في النظرية، فإن النظام الرأسمالي هو ذلك النظام الذي يمتلك فيه الأفراد عوامل الإنتاج (العمالة ورأس المال والموارد الطبيعية والتكنولوجيا) ويتنافسون بحرية في الإنتاج بهدف تحقيق مصالح ذاتية يأتي في مقدمتها تعظيم الأرباح، وتقوم الدولة بتنظيم الأعمال من خلال وضع القوانين والأنظمة وتقديم السلع والخدمات التي يفشل السوق (القطاع الخاص) في تقديمها، بعد مئة وخمسين عاماً من تطبيق الرأسمالية في العصر الحديث، فهل حققت الرفاه الإجتماعي والعدالة؟ في الدول الرأسمالية لا يمكن للإنسان ان يشعر بالأمان والإستقرار لا بل يشعر بالضعف والتهميش لان الأثرياء القلة يسيطرون على كل الموارد، بحيث لا يبقى للمواطن البسيط سوى ما يتركه الاثرياء لهم، الرأسمالية لا إنسانية ومتوحشة لأنها تتخلى عنك إذا كنت ضعيفاً، ويقاس المرء فيها بحجم ثروته وليس بقيمته وأخلاقه وإنسانيته، وليس هنالك أي مكان للضعفاء او غير المؤهلين، فلن يجدوا عملاً وإن وجدوا فسيكون بأجر زهيد ويقل عن مستوى خط الفقر ولا حول ولا قوة لهم. في تلك الدول تكون العلاقات الإجتماعية شبه معدومة؛ والبديل لذلك هو علاقات الأعمال والمصالح فقط فكل إنسان يبحث عن منفعته الذاتية، وعلاقاته محكومة بتلك المنفعة، من جانب آخر يحكم المجتمع الرأسمالي المال الذي ليس له أي توجه أو ثقافة سياسية ويدير البلاد إما الأثرياء او التابعون لهم، فلن تصمد القوى السياسية بعيداً عن الأثرياء وستكون مصالح الأثرياء في مقدمة الأهداف التي تسعى القوى السياسية لتحقيقها وستخضع ضمائر هذه القوى لإغراء المال وستكون العدالة الإجتماعية مجرد حلم. أما في الجانب الإقتصادي فالنظرية الرأسمالية تدعي أن الحرية تمثل المبدأ الأساسي في الأعمال، وعلى الرغم من أن ذلك يعتبر حقيقة على المستوى النظري لكن على المستوى العملي فإن من يملك الحرية هم الأثرياء لأنهم يستحوذون على عوامل الإنتاج، بحيث يوجهونها بالإتجاه الذي يحقق أكبر الأرباح وبحرية تامة، وهم أيضا يستهلكون السلع والخدمات كما يرغبون، أما بالنسبة لطبقة العمال فهي في الواقع لا تمتلك أي حرية للإختيار، بحيث يضطر العامل في أغلب الأحيان الى قبول أي عمل وبأقل الاجور هرباً من البطالة والحاجة وهو يستهلك الحد الأدنى من السلع والخدمات الضرورية، أما السلع الإستهلاكية الكمالية فتسكن في أحلامه فقط. إن من أهم سمات الرأسمالية في مراحلها المتقدمة هي أنها تصبح مسرحاً للمحتكرين أو المحتكرين القلة لأن القوي يأكل الأقل قوة والأضعف، ولا يعود لقوى السوق (العرض والطلب) والمنافسة أي دور في تحديد الكمية والسعر، وبذلك يسيطر المال على قرار الإنتاج وقرار الأسعار حيث يتم إنتاج السلعة من قبل منتج واحد أو عدد قليل منهم وتحدد أسعار السلع والخدمات كما يحلو لها، والمواطن يصبح في مهب الريح، صحيح أن المنافسة هامة وضرورية لأنها تمثل قوة دفع هائلة للإنتاج والتطور لكنها لا تضمن التعددية في الأعمال والعدالة، حيث تخرج الكثير من الأعمال من السوق، لأنه سيأتي من يتملكها حتى لو دُفع لها ثمن مرتفع أو من يندمج معها؛ الأمر الذي يؤدي إلى خلق كيانات ضخمة محتكرة وتختفي المنافسة المزعومة، وبدون إيجاد حلول لهذه المشكلة فستبقى الرأسمالية تعاني من هذه التكتلات التي تكبر مثل كرة الثلج وتصل لمرحلة يستحيل السيطرة عليها، وتصبح هي المتحكم في مجريات الأمور الإقتصادية والسياسية على حد سواء. كل ما ذكر يشير إلى أن الثروة ستكون مركزة بأيدي القلة، ويبقى العامل يكافح من أجل أجر بسيط لا يكفل له حياة كريمة، وهذا يعكس وجود فوارق طبقية كبيرة لا يمكن القضاء عليها إلا بتدخل حكومي يحفظ حقوق كافة المواطنين، وإلا ستؤدي هذه الفوارق إلى المزيد من الإحتقان والنقمة من الطبقة العاملة على الطبقة الثرية.