أين يكمن الخلل في البحث الفقهي اليوم ؟
أين يكمن الخلل في البحث الفقهي اليوم ؟
الكثير من المتابعين للبحث الفقهي اليوم يظنون أن الصراع منحصر بين مدرستين أو منهجين أو توجهين ما شئت فقل
الأولى : مدرسة فقه الدليل وهي المدرسة التي لا تلتزم بمذهب واحد بعينه وإنما ترجح بحسب الأدلة وهل الإجماع السكوتي وقول الصحابي إن لم يخالفه مثله حجة هذا بحث وبعضهم وهؤلاء قليل ينفون حتى حجية القياس أو بعض صوره
الثانية : مدرسة التمذهب وهي التي تلزم باتباع مذهب معين من المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة والأخذ برخصه وعزائمه وهل يلتزم المرء المعتمد عند المتأخرين أم يوسع نظره هذا بحث
أنصار المدرسة الأولى يعيبون على الثانية التعصب وهذا فعلاً وجد له صور في التاريخ الإسلامي وإن لم يوجد في كل المتمذهبين سواء في أذية الخصوم أو في مكابرة الأدلة الشرعية المخالفة لاجتهاد إمام المذهب مع العكوف على كلام المتأخرين والبعد عن كلام المتقدمين
وأنصار المدرسة الثانية يعيبون على المدرسة الأولى دخول الشذوذات عليهم وأنه وجد فيهم من خالف إجماعات خفية أو جنح لبعض شذوذات الظاهرية وحتى إن وجد في نفس المدرسة من يخالفهم فإن المشنعين يرجعون الأمر إلى نفس المنهج
ويمكن من هذا الاستعراض أن يعرف أن المتمذهب المنضبط بأصول المذهب والذي لا إشكال عنده في مخالفة مشهور المذهب إذا وجد الأدلة في مذهب آخر وأن متبع الدليل الذي يهتم بفتاوى الصحابة ولا يخالفها ويعنى بالبعد عن الشذوذ يقتربان جداً وهذا النهج هو الأشبه بطريقة عامة الفقهاء المحققين على مر التاريخ
غير أن الواقع أن هذا الخلاف ليس هو الخلاف الوحيد في الساحة بل هناك مناهج فقهية أخرى هذه المناهج في تصوري الخلاف معها أعمق من الخلاف السابق وهذه المدارس كما يلي :
المدرسة الأولى : مدرسة تتبع الرخص وهذا منهج قد يوجد في المفتي أو المستفتي وأصحاب هذه المدرسة لا يتقيدون بالطريقة المذهبية أو فقه الدليل وإنما يأخذون من كل طريقة ما يوافق البحث الذي بين أيديهم حتى ينتهوا إلى الرخصة
وربما سمعت منهم ذم التعصب المذهبي حتى تظن أنهم من أتباع فقه الدليل ، وسمعت منهم ذم أتباع فقه الدليل حتى تظن أنهم يريدون التقيد بمذهب معين برخصه وشدائده وليس الأمر كذلك
وقد رأيت بعض من ينتسب لمذهب معين ويبرز للناس رخص هذا المذهب فحسب بطريقة طريفة تشبه طريقة مناديب التسويق حتى إذا سئل عن مسألة مذهبه فيها يشدد فمثلاً يكون مذهبه وجوب النقاب فإذا سئل عن ذلك أحال على فقيه آخر لا يرى وجوب النقاب ويظهر ذلك أنه من باب التواضع والواقع أنه يعلم أن اجتماع الناس عليه لما يظهره من الرخص ولما يظهره من التقيد بمذهب فلا يريد إفساد هذا فابتكر هذه الحيلة للخروج من المأزق
ومتتبعي الرخص طرائق قددا فمنهم من هو جريء على مخالفة الإجماعات القوية ومنهم من ليس كذلك وإنما يخوض في دائرة الخلاف
المدرسة الثانية : مدرسة الاحتكام للأفكار الدخيلة وهم فريق من الناس تأثر بمبدأ دخيل مثل بعض الأفكار النسوية أو الأفكار الرأسمالية أو الدولة الحديثة أو مناهج معينة في طريقة الحرب والسلام فيصير دائماً يرجح بحسب الأكثر موافقة للمدرسة التي هو يتأثر بها
وقد يكون ينتمي إلى مدرسة فقه الدليل أو المذهبية ويخرج عنها بحدود ما يقتضي البحث ، وهذه المدرسة تتقاطع مع المدرسة الأولى في عدد من الأمور حتى لكأنهما مدرسة واحدة ولكن بينهما فرق فالأولى تسير على الأيسر عند الناس والثانية تسير على الأوفق مع الفكرة والمنهج وقد يكون الناس متأثرين بثقافة دخيلة فيتقاطع الأمران
ولهذا العديد من الفقهاء الحركيين يتكلمون بذم التعصب المذهبي والجمود حتى أنك لتظن انتماءهم إلى مدرسة فقه الدليل ولكن عند التطبيق تفهم أن عندهم مشكلة مع الإنضباط المذهبي إذ لا يوجد مذهب فقهي قديم هو مفصل على المقاس الحركي تماماً
لهذا قلت لبعض الناس ممن يدعون للتمذهب : ومن يطيق التمذهب اليوم ؟ أنتم أنفسكم لا يكاد كثير منكم يجهر بمخالفة كلام شيخ الإسلام في الطلاق وقضاء الفوائت لمخالفة قولكم للمزاج العام فما بالك بغيرها ومن فيكم يلتزم كلام أئمة المذهب في المخالفين العقائديين ؟
=