في رحاب عمر العباسيين !
في رحاب عمر العباسيين !
الناس يعرفون عمر بن الخطاب في الراشدين وعمر بن عبد العزيز في الأمويين ولا يعلم عامتهم أن هناك رجلاً في الخلفاء العباسيين كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز تشبهاً عجيباً وهو محمد المهتدي بن هارون الواثق بن أبي إسحاق المعتصم
وأسميته عمر العباسيين مع أن اسمه محمد لما سيأتي من كونه كان يظهر الاقتداء بعمر بن عبد العزيز
قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : وكان المهتدى بالله من أحسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة واظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة، وروى عنه حديث واحد مسند
وقال الخطيب أيضاً . أَخْبَرَنِي عبيد الله بن أبي الفتح حدّثنا على بن الحسن الجرّاحى حَدَّثَنَا محمد بن أحمد القراريطي. قَالَ قَالَ لي عمي عبد الله بن إبراهيم الإسكافي: حضرت مجلس المهتدى وقد جلس للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جنب الرجل، فسأله عما ادعاه عليه فأقر به، فأمره بالخروج له من حقه، فكتب له بذلك كتابا، فلما فرغ قَالَ له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قَالَ الشاعر:
حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدى: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت المصحف: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[الأنبياء 47] فقال لي عمي: فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم.
وهنا تذكرت جده المهدي الذي كان يجلس للمظالم ويأمر بإدخال القضاة حتى يستحي منهم ولا ينحاز لأحد وقد رد مظالم المنصور كلها وذاك الآخر كان من أحسن خلفاء العباسيين
وقال الخطيب أيضاً حدّثنا عبد العزيز بن على حدّثنا محمّد بن أحمد المفيد حدّثنا أبو بشر الدولابي أَخْبَرَنِي أبو موسى العباسي. قَالَ: لم يزل المهتدى صائما منذ جلس للخلافة إلى أن قتل.
قَالَ أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت بحضرة المهتدى عشية من العشايا، فلما كادت الشمس تغرب، وثبت لانصرف- وذلك في شهر رمضان- فقال لي:
اجلس. فجلست ثم إن الشمس غابت وأذن المؤذن لصلاة المغرب وأقام، فتقدم المهتدى فصلى بنا، ثم ركع وركعنا ودعا بالطعام فأحضر طبق خلاف وعليه رغف من الخبر النقى وفيه آنية في بعضها ملح، وفي بعضها خل، وفي بعضها زيت.
فدعاني إلى الأكل فابتدأت آكل معذرا ظانا أنه سيؤتى بطعام له نيقة، وفيه سعة.
فنظر إلى وَقَالَ لي: الم تك صائما؟ قلت بلى. قَالَ: أفلست عازما على صوم غد؟
فقلت: كيف لا وهو شهر رمضان؟! فقال: فكل واستوف غداءك فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى. فعجبت من قوله، ثم قلت: والله لأخاطبنه في هذا المعنى، فقلت:
ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ الله نعمه، وبسط رزقه، وكثر الخير من فضله؟ فقال: إن الأمر لعلي ما وصفت فالحمد لله، ولكنني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت.
أقول : وهذا يظهر لك فائدة تلقين سير الصالحين للناشئة فإن ذلك يجعل نفوسهم تتحرك إلى محاكاتهم فهذا الرجل قرأ سيرة عمر بن عبد العزيز فتاقت نفسه إلى الاقتداء به وقد كان بل كان شبيهاً بعثمان من وجه إذ أنه قتل ظلماً على عدله والعجيب أن قاتليه أظهروا الندم على قتله فيما ذكر صاحب نهاية الأرب وما وجدته في كلام من تقدم
ومن الطرائف في ذكر تأثير القصص قول صاحب نهاية الأرب : ذكر ابن الأثير رحمه الله ذلك فى تاريخه الكامل وأفرده بترجمة وهى «ذكر ما فعله البريدىّ ببغداد» ، ولما انتهى كلامه قال «وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظّلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا إذا لم يتركوه لله سبحانه وتعالى وأظنه رحمه الله تعالى قال هذا لما علمه من حال الظلمة فى عصره، وأنهم يستقبحون الظلم.
ويتركونه خشية أن ينقل عنهم. وإنما تركت أن أشرح ما قاله من ظلم البريدى خوفا أن يسمعه ظلمة هذا العصر فيقتدون بأفعاله ويحملون الناس على مثاله؛ فإن فيهم من يتحلى بالظلم ولا يتحاشى من فعله ويردّ فرع كل مظلمة إلى أصله ويقول: قد فعله فلان وفلان وجرت عليه القاعدة فى كل عصر وأوان! ويبرز بالظّلم بروز الليث من غابه
أقول ومن خلفاء العباسيين العادلين المستنجد بالله والظاهر بأمر الله كلاهما أظهر إبطال المكوس ( الضرائب ) والعدل وكذلك المستنصر بالله.