كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

توضيح كلام ابن تيمية في دعاء الصفة (حجة ابن تيمية الدامغة التي لم تعط حقها من ال

المصدر
توضيح كلام ابن تيمية في دعاء الصفة (حجة ابن تيمية الدامغة التي لم تعط حقها من التفهم) قال ابن تيمية في الرد على البكري: "إنَّ مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماتِه جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأمَّا دعاء صفاته وكلماته فكفر باتِّفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم: يا كلام الله! اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني، أو يا علم الله، أو يا قدرة الله، أو يا عزَّة الله، أو يا عظمة الله ونحو ذلك؟! أو سمع من مسلم أو كافر أنَّه دعا ذلك من صفات الله وصفات غيره، أو يطلب من الصِّفة جلب منفعة أو دفع مضرَّة أو إعانةً أو نصراً أو إغاثةً أو غير ذلك؟" هذه الكلمة لشيخ الإسلام سئلت عنها كثيراً وكثيرون استشكلوا على ماذا استند الشيخ في دعوى الإجماع؟ ولا نجد لغيره كلاماً في المسألة وما الفرق الجوهري بين دعاء الصفة وبين دعاء الله بصفته كقولك (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) وقد رأيت بعض من إذا تكلم في مسألة العذر والحكم على المخالف جعل قراءته الخاصة للشيخ حاكمة على الأولين والآخرين يتهم الشيخ هنا بأنه غلط غلطاً بيناً؛ ولا مشكلة في نقد الشيخ ولكن حين تجعل مجرد مخالفة قراءتك الخاصة للشيخ أو مخالفة الشيخ مبرراً لاتهام المخالف بنقائص عدة ثم من الهين جداً أن تخالف الشيخ في مسألة كبيرة مثلها ويقوى عندك النفس النقدي وأنت إذا تكلمت في مسألة أخرى تظهر التقليد التام له فتحرير موقف الشيخ من المسألة يساوي عندك تحرير المسألة! والواقع أن حجة الشيخ هنا دقيقة فسياق كلامه في الرد على من يجيز الاستغاثة بغير الله على من يجيز الاستغاثة بالمخلوق وكتاب الرد على البكري نسخته الحاضرة ليست تامة وفيها ما فيها –لعل ييسر حضور نسخة تامة-. وترتيب حجة الشيخ كما يلي: حين ظهر الجهمية القائلين بخلق القرآن وقولهم بخلق القرآن يعنون به: أن رب العالمين لا تقوم به الأفعال الاختيارية يعني لا يفعل ما شاء متى شاء بفعل يقوم فيه ولذا هو لا يتكلم بالمعنى المعروف عندنا للكلام وبالتالي القرآن ليس كلامه بالمعنى المعروف للكلام بل خلق من خلقه. ودحض كلام الجهمية فيه طرق: الطريق الأول: طريق يبدأ من إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل وبالتالي إثبات أنه سبحانه يجوز عليه الكلام ويكون كلامه غير مخلوق لأنه يبدأ منه سبحانه وما قام به فليس بمخلوق لاستحالة اجتماع الخالق والمخلوق معاً. الطريق الثاني : إثبات أنه يتكلم واستحالة حمل النصوص على غير معنى الكلام المعهود عند الناس وأن الخلق غير الكلام (ألا له الخلق والأمر). الطريق الثالث: إثبات أن الكلام غير مخلوق وبالتالي هو صفة فعلية وهذا الطريق الذي يهمنا هنا وكان من ضمن أهم الأدلة على هذا حديث (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق). فقالوا: لا يجوز الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله اتفاقاً وإلا كان ذلك شركاً وبالتالي فالكلام غير مخلوق فإذن هو فعل اختياري وهذه الحجة دارجة في كلام السلف الكرام قبل ابن تيمية ودارجة حتى في كلام الأشعرية الأوائل الذين يقولون القرآن قديم. قال الخلال في السنة 1910- وأخبرنا، قال: أمرني أبو عبد الله أن أكتب إلى محمد بن حمدون الأنطاكي مواعظ في بعض الكتاب. وكتبت الكتاب فعرضته عليه فصححه بيده قال: وكانت له معرفة بالحديث وكان يحتاب أبي فهو ذا أكتب أنا وانظر ما عندك من المشيخة ممن قال القرآن غير مخلوق فصيره معه واكتب به أنت إليه . اكتبها نسختين فإني لا آمن أن لم أن يكتمها، واكتب إلى عيسى الفتاح نسخة وإليه نسخة . قال أبو بكر المروذي: وزاد أبو عبد الله فيه ونقص ثم أمرني أن أوجه به إليه وهذه نسخته. أقول: فهنا الخلال يذكر عن المروذي أنه كتب رسالة لشخص من الواقفة يخبره بالأدلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن أحمد بن حنبل أطلع على هذه الرسالة وأجازها. فكان مما أورده المروذي في هذه الرسالة: 1922- وحدثونا عن جرير بن حازم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يمسي: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق). وذكر الحديث.. ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالنبي أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض أو بشيء مما خلق الله. لا يتعوذ إلا بالله أو بكلماته. وهذه الحجة لها حضور في عامة كتب العقيدة وفي كلام نعيم بن حماد وتلميذه البخاري وابن خزيمة وحاضرة أيضاً في كلام الأشعري والباقلاني ؛ فإذا حاولنا أن نفهم كلام ابن تيمية في ضوء هذا التقرير نقول:إن الشيخ يقول أن الناس اتفقوا على أن من اعتبر صفة الله مخلوقة ثم دعاها كان مشركاً لهذا كفروا الجهمية وعدوهم مشركين فكيف بدعاء المخلوقين صراحة كالنبي صلى الله عليه وسلم والأولياء، ولهذا نجد في السنة لعبد الله : مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَكَلَّمُ فَهُوَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ. = = وهذه حجة متينة وتبين لك قوة إتصال توحيد الألوهية بتوحيد الأسماء والصفات خلافاً لطريقة الكثير من المنتسبين للسلفية الذين يقوون في جانب توحيد الألوهية ويهونون في شأن توحيد الأسماء والصفات. وفي الشريعة للآجري 178 - حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عن عباس النرسي، فقلت: كان [ص:511] صاحب سنة؟ فقال: رحمه الله قلت: بلغني عنه أنه قال: ما قولي: القرآن غير مخلوق، إلا كقولي: لا إله إلا الله، فضحك أبو عبد الله، وسر بذلك. أبو عبد الله هو أحمد ابن حنبل وتأمل نفاذ بصيرة الأئمة كيف أن الجهمية في الأزمنة المتأخرة اشتهر بينهم جداً دعاء الأولياء والتبرك بهم بما يشبه أحوال الوثنيين جداً. وتكميلاً للبحث: عدد من الجهمية –وتبعهم في زماننا العديد من الماتردية- يقولون بأن أسماء الله مخلوقة وهذا معناه أن ندعو مخلوقاً إذا دعونا أسماء الله (وهذا مذهب الإمامية المتأخرين أيضاً). وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يكفر من يقول أسماء الله مخلوقة وقد شرح الإمام أحمد سبب هذا التكفير من القرآن فإن الإمام أحمد له رسالة جمع فيها الآيات التي تنقض مذهب الجهمية –وقد نقلها الخلال في كتاب السنة بسند صحيح عنه-. فكان من ضمن الآيات التي ذكرها قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}. وقوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}. وقوله تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. وغيرها من الآيات في هذا المعنى فالله أمرنا بأن ندعوه بأسمائه فكيف تكون أسماؤه مخلوقة فإذن نحن ندعو مخلوقاً وهذا عين الشرك فدل على بطلان قول من يقول ذلك حتى قال خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْبَزَّارِ الْمُقْرِئِ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ , فَكُفْرُهُ عِنْدِي أَوْضَحُ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ. فكرس ابن تيمية بذكائه الفذ هذا البحث للإنكار على من يستغيث بالأولياء ويقول لهم إذا كان الأئمة اشتد نكيرهم على من قال كلمات الله مخلوقة أو أسماء الله مخلوقة وكفروه لأن قوله تجويز لكوننا ندعو المخلوق فكيف تجيزون أنتم دعاء الأولياء المخلوقين اتفاقاً وقارن هذا الموقف بمن يدعي الحنبلية ثم يجيز الاستغاثة بالأولياء والحلف بغير الله ناقضاً على إمامه بما لم يجرؤ الجهمية الأوائل أن يصنعوا. ولا يوجد في كلام الناس دعاء الصفة بشكل واضح ولكن الشيخ يقصد على معنى اعتقاد الانفصال والمخلوقية أو على معنى عقيدة النصارى في المسيح أنهم يعتقدون فيه أنه مخلوق وخالق في آن واحد وهذا المثال يبين لك أن من أحسن ما يعين على تفهم المشكل من كلام الشيخ النظر في كلام أئمته الذين ينتمي إليهم ويعتد بإجماعهم. براهين تراها كل يوم ولكن يصدفك الشيطان عنها... من أعظم ما ينتفع المرء به من النظر في القرآن هو ارتباط الآيات الكونية المخلوقة بالآيات المتلوة وبيان دلالة أمور كثيرة نراها كل يوم وتحركنا بإثبات معاني العقيدة الكبرى: ولنأخذ اليوم مثالًا جديدًا: ما أكثر ما نسمع (فلان غني وفلان فقير)، ونعني بالغني الذي عنده مال كثير، بمعنى أنه مستغنٍ عن سؤال غيره المال، وهذا أمر يلاحظه عموم الناس ويرتبط بأحوال كثيرة لهم. ثم الأغنياء منهم المحمود ومنهم المذموم، فالبخيل منهم مذموم والكريم منهم محمود. كلمة غني ينبغي أن تذكرك بتثبيت أعظم مسائل أبواب الإلهيات. فكل مخلوق مفتقر في وجوده إلى غيره، في أصل وجوده افتقر إلى والديه، وكذلك في ديمومة وجوده افتقر إلى طعام وشراب وغير ذلك. والوالدان افتقرا إلى والديهما، وهكذا تتسلسل السلسلة حتى نصل إلى الغني المطلق الذي لا يفتقر إلى أحد، الذي لم يلد ولم يولد، وهو رب العالمين سبحانه، وهذا امتناع تسلسل المؤثرات. وإذا كان رب العالمين منَّ علينا بالمنة الأصلية، وهي الوجود، فكل توابعها من النعم منه سبحانه، وما من مخلوق إلا وهو مفتقر، وبقدر افتقاره ينقص غناه، وبهذا ينقص ما يُحمد به الغني المحمود، لذا لا يُسأل الناقص ويُترك الكامل سبحانه الغني غنًى مطلقًا والحميد حمدًا مطلقًا. هذا أولًا. وثانيًا: نرى أناسًا يحكمون بين الخلق، وإنما يحكمون بين الناس في نزاعاتهم لعلمٍ عندهم وسلطة، وهذا العلم اكتسبوه من غيرهم، وهكذا هي خبرات متراكمة. وإذا نظرت في هذا علمت الحاجة للوحي للحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنَّ رب العالمين الذي هو بكل شيء عليم أولى بهذا الكمال سبحانه، فهو مانحه، لذا يرسل الرسل ليفْصلوا بين الناس في النزاعات العلمية والعملية، وليلقِّنوا من سار على الفطرة حجته أمام من تنكَّب عنها، وليجد المتردد ما يقطع تردده. وثالثًا: من أعظم النعم عند البشر نعمة السمع والبصر، وعامتهم يستشعر في نفسه أن الله عز وجل يسمعُه ويبصِرُه، ولا يشعر أبدًا أن الله عز وجل يشغله صوت عن صوت ولا صورة عن صورة. ولهذا عامتهم يدعون الله ويبتهلون إليه بداعي الفطرة، وهذا لو تأمَّلته برهان على قدرته سبحانه على البعث، فإذا كان لا يشغله صوت عن صوت ولا صورة عن صورة في أمر السمع والبصر فلن يشغله بعث أحد عن أحد في أمر القدرة. وهكذا تكون قد تمت أبواب الإلهيات والنبوات والمعاد، وهي الأبواب الأصلية الكبرى. ما ذكرته هنا مستفاد من آيات من سورة لقمان: قال تعالى: {لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد. ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يَمُدُّهُ من بعده سبعةُ أبحرٍ ما نَفِدَتْ كلماتُ الله إن الله عزيز حكيم. ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير} [لقمان] أقول: فالآية الأولى آخرها "وهو الغني الحميد" تنبيه على غنى الله واستحقاقه للعبادة، فغناه دليل على خالقيته، كما في دليل امتناع تسلسل المؤثرات الذي شُرِح. و"الحميد" غناه لا يجامع البخل عن العباد (كما يعتقد الربوبيون أنه خلق كونًا ثم تركه وأهمله)، وهو المستحق للعبادة لأن كل ما سواه مفتقر. ثم الآية الثانية فيها ذكر كلماته التي لا تنفد وعلمه سبحانه، ثم ختم بقوله "عزيز حكيم" أي أنه سبحانه ليس كمثل خلقه ممن عزته تحمله على البغي، بل هو حكيم سبحانه يضع الأمور في مواضعها، وذلك لكمال علمه ورحمته. وما دام الخلق لا يحيطون بعلمه فلا ينبغي أن يقدموا حكمهم على حكمه، ولا أن يعتقدوا أن النبوات تقرأ بحسب أهوائهم كما هو حال كثير من الناس اليوم. ثم الآية التي بعدها فيها بيانٌ عجيب للقدرة، ذَكر سبحانه أنَّ خلق البشر وبعثهم كأنه خلق نفس واحدة، ومعلوم أن الإعادة أهون مِن الخلق الابتدائي، ثم قرّب الأمر بذكر السمع والبصر، ومعلوم أننا ندرك تمامًا أن الله عز وجل يسمع كل خلقه ويبصرهم جميعًا لا يلهيه أحد عن أحد، فكذلك قدرته على البعث سبحانه. الهوس الإباحي.. يقول ما دام الخمر يباع سرًّا فلنسمح به ولتأخذ الدولة عليه ضرائب وتستفيد! فيقال: الذي باعه سرًّا حين كان ممنوعًا وما اكتشفته الدولة قد يبيعه سرًّا تهربًا من الضرائب ولا تكتشفه الدولة! هذا هو التفكير الرأسمالي الذي لا يقيم للدين أو العقل أو الأعراض قيمة، بل حتى صحة الناس. بإمكانك أن تقرأ عن الملايين الذين يموتون بسبب إدمان الكحول في أي مدونة صحية عالمية. أصحاب هذا التفكير يطرحون أفكارهم على أناس متدينين ويفترضون أن الذين في مقابلهم لادينيون أو لا يعتدون بأمر الدين والأعراض والعقل؛ ثم بعد ذلك يصوّرون لك كأن التجربة الغربية التي يريدون الاقتداء بها تجربة خالية من العيوب الكارثية حتى على أصول الغربيين في المصالح والمفاسد. حينما تكف هذه الفئة عن هذه المنهجية السوفسطائية في التفكير فإن كثيرا من الضجيج الفكري الذي يملأ الآفاق سيزول، وستتوفر بيئة هادئة لمناقشة المشاكل بطرق عملية وواقعية.