حين يُفقدك التحامل على السنة حتى المقدرة على الحساب !
حين يُفقدك التحامل على السنة حتى المقدرة على الحساب !
أرسل لي أحد الأفاضل مقطعاً لشخص يتكلم عن حديث فرض الصلاة خمسين ومع أن الحديث فيه أن ذلك نسخ وصارت خمسة في العدد خمسين في الأجر إلا أنه اعترض على أصل فرضها خمسين ورأى أن ذلك لا يليق بالحكمة الإلهية
لأن في الأمر مشقة ظاهرة فإن خمسين تعني خمسين وضوءاً وذلك شاق جداً حسب تعبيره ، وكان يمكنه أن يخرج الأمر على أن فرض الصلاة خمسين وما حصل من مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم لموسى كان لحكمة وهي إظهار التفضل بكونها خمسين في الأجر ويكتفي بذلك
غير أن اعتراضه ضعيف جداً ويوحي بتحامل مسبق إذ أنه افترض أن تعدد الصلوات المفروضة يعني تعدد الأوقات وتعدد الأوقات يعني تعدد الوضوء وهذه مقدمات فاسدة
فتعدد الصلوات لا يعني تعدد الوضوء ألا ترى إلى المرء يصلي الراتبة القبلية والراتبة البعدية والفريضة كلها بوضوء واحد في الغالب
فإن قيل : الرجل يتكلم عن الفرائض فأقول : ومن أين له أنها لو أقرت خمسين سيقتضي ذلك تعدد أوقاتها ضرورة بل ربما كانت عدة صلوات تصلى في وقت واحد كما نفعل نحن في الجمع لعذر نصلي كذا فريضة في وقت واحد والإمامية يفعلونه دائماً
وانظر إلى حالنا في رمضان نذهب إلى صلاة العشاء فنصلي تحية المسجد وهذه واحدة ثم نصلي الفريضة وهذه ثانية ونصلي الراتبة البعدية وهذه ثالثة ثم نصلي التراويح ومن الناس من يصليها عشرين فهذه عشر صلوات فالصلاة ما افتتح بالتكبير واختتم بالتسليم فهذه ثلاثة عشر ثم الشفع وهذه أربعة عشر ثم الوتر وهذه خمسة عشر
وغالب الناس يصلونها بوضوء واحد وإن أكثروا بوضوءين والآن لو طلبت من أي شخص أن يصلي قبل الفجر ثمان ركعات كل ركعتين بتسليم وبعدها عشر ركعات كل ركعتين بتسليم لكانت هذه عشر صلوات وفي الغالب سيصليها بوضوء واحد أو وضوءين كما نرى في أمر تراويح رمضان فإذا طردتها على الفرائض كلها صارت الخمسين فريضة هذا غير وقت الضحى ووقت آخر الليل أو منتصفه
لا شك أننا نستثقل هذا تنظيرياً لعدم اعتيادنا عليه ولكن لو أراد شخص فعله والمداومة عليه ( وهذا غير مشروع لأنه سيدخل في أوقات النهي ) فإنه سيكون قادراً عليه ولا يحتاج سوى قدر محتمل جداً من الوضوء
والشريعة ميسرة فنحن لا ندري لو بقيت الخمسين هل ستكون كلها جماعة أم لا ؟ وهل ستفرق أوقاتها أم تجمع وهل فريضة الوضوء ستبقى على صفتها أم لا ؟
ولكنني فقط أردت أن أبين ضعف الاعتراض ودعواه لزوم الخمسين وضوءاً
ونحن وإن استثقلنا هذا في أنفسنا فإنه في الصحابة غير مستبعد فقد يكون هذا التشريع للصحابة الكرام ثم سينسخ تخفيفاً وكان في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم تخفيفاً عن الصحابة أيضاً وهذا له نظير في الشريعة وهو أمر شرع للصحابة على صورته الثقيلة لما علم من إيمانهم ثم خفف ليشمل الأمر من يأتي بعدهم ممن ليس مثلهم
وفي هذا حكمة إظهار عظيم المنة على الأمة قال الله تعالى : ( ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين )
فلاحظ هنا فرض عليهم مبدأياً مقاتلة عدداً هو عشرة أضعافهم وهذا متصور في الصحابة مستبعد في أهل زماننا ثم نزل التخفيف ، ولو تأملت اعتراضات المعترض على أمر الصلاة لوجدته ينطبق تماماً على هذا الأمر القرآني
وأخيراً فائدة في الحديث هناك اختلاف في ألفاظ حديث أنس في الصحيحين في بعض المواطن فقد رواه عن أنس ثلاثة
1_ الزهري والرواية عنه من طريق يونس الأيلي وهو صاحب أخطاء عن الزهري
2_ ثابت بن أسلم وهذا حديثه في مسلم فقط لأنه من رواية حماد بن سلمة والبخاري لم يخرج لحماد
3_ قتادة بن دعامة السدوسي وهذه الرواية التي يبدو أن البخاري يرجح ألفاظها وأورد الشيخان عموم الروايات لأنها متطابقة في مجملها ( ولَم يختلفوا في ذكر الخمسين ونسخها وإنما اختلفوا في تفاصيل يسيرة لا تغير من المضمون شيئًا ويمكن الجمع بينها )
وعادة البخاري ومسلم أنهما يوردان بعض الروايات التي فيها أخطاء ثقات ولكن الرواية بالمجمل تكون محفوظة مع إيراد الروايات الأخرى الأقوى والأرجح قال ابن تيمية في منهاج السنة :" والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب ليبين غلط هذا الراوي كما جرت عادته بمثل ذلك إذا وقع من بعض الرواة غلط في لفظ ذكر ألفاظ سائر الرواة التي يعلم بها الصواب وما علمت وقع فيه غلط إلا وقد بين فيه الصواب"