كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= ثم قال في ترجمته بعد كلام: "وكان ساكنا بالعزيزية، حافظا لوقته، كثير الحياء والتواضع والسكينة، كتب الكثير بخطه، ولم يخلف شيئا من الدنيا، ولا كان يملك طاسة. وفرغت نفقته يوم موته. وكان شيخنا ابن تيمية يعظمه ويبالغ، حتى وقف على أبيات له أولها: وحياتكم ما إن أرى لكم سوى ... إذ أنتم عين الجوارح والقوى فتألم له وقال: هذا الشعر عين الاتحاد. قلت: إنما أراد أن ينظم قوله عليه السلام: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به». الحديث فقال: سياق الحديث يدل على بطلان هذا. وهو قوله: فبي يسمع وبي يرى، وما في الحديث أن الباري تعالى يكون عين الجوارح، تعالى الله عن ذلك". فهنا ابن تيمية كان يعظم هذا الرجل ويثني عليه حتى وقف له على شعر رأى أنه صرَّح فيه بعقيدة الاتحادية، ولمَّا كان الرجل محبًّا لابن عربي حمل الشيخ كلامه على موافقة اعتقاد ابن عربي. وترجم الذهبي لرجل صوفي اسمه علي بن أبي الحسن الحريري، مشهور بالتصوف، وكان يثني عليه أبو شامة ويبالغ وله قبول عند العامة، وحكى عنه الذهبي كفريات غليظة. وقال الذهبي: "قرأت بخط الحافظ سيف الدين ابن المجد ما صورته: علي الحريري: وطئ أرض الجبل ولم يكن ممن يمكنه المقام به، والحمد لله. كان من أفتن شيء وأضره على الإسلام، مظهرا سنة الزندقة والاستهزاء بأوامر الشرع ونواهيه. وبلغني من الثقات بدء أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله. وكان مستخفا بأمر الصلوات وانتهاك الحرمات ثم قال: حدثني رجل أن شخصا دخل الحمام فرأى الحريري فيه ومعه صبيان حسان بلا ميازر، فجاء إليه فقال ما هذا؟ فقال: كأن ليس سوى هذا، وأشار إلى أحدهم تمدد على وجهك، فتمدد. فتركه الرجل وخرج هاربا مما رأى. وحدثني أبو إسحاق الصريفيني قال: قلت للحريري: ما الحجة في الرقص؟ قال: قوله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها. وكان يطعم وينفق ويهون أمور الدين فيتبعه كل مريب. وشاع خبره، وشهد عليه خلق كثير بما رأوا منه ومن أصحابه بما يوجب القتل. ورفع أمره إلى السلطان، فلم يقدم على قتله، بل سجنه مرة بعد أخرى، ثم أطلق والله المستعان على هذه المصيبة التي لم يصب المسلمون بمثلها. قلت: رحم الله السيف ابن المجد ورضي عنه، فكيف لو رأى كلام الشيخ ابن العربي الذي هو محض الكفر والزندقة لقال إن هذا الرجل المنتظر. ولكن كان ابن العربي منقبضا عن الناس، وإنما يجتمع به آحاد الاتحادية، ولا يصرح بأمره لكل أحد، ولم يشتهر كتبه إلا بعد موته بمدة. ولهذا تمادى أمره، فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه الأمة دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه «الفصوص». وقد حط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري، فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية، عن التاج البرنباري، أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن العربي فقال: كان يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا". المراد من نقل هذه الأشياء أن ما يقوله بعض الناس عند الحديث عن المنتسبين للملة الذين تقع منهم كفريات فيقول القائل: هناك فرق بين الكافر الأصلي والمنتسب للملة. فهذا ليس دقيقًا، وذلك أن الكافر الأصلي لا نقاش فيه أصلًا، فجعل مجرد الانتساب للملة عاصِمًا من التكفير حتى للواقع في الكفر هو دور، وجعل ذلك هو الضابط الأعظم في التفريق غلط أيضًا، خصوصًا أنهم لا يضبطون ذهابه. ثم إن هذا القول يستبطن أن المنتسب للملة لا يمكن أن يقول كلامًا أشدَّ من كلام الكفار الأصليين أو أظهرَ في مخالفة النصوص، وهذه دعوى غير مسلَّمة، فالسلف كانوا يقولون في كلام الجهمية بأنه أشد من كلام اليهود والنصارى لمن عرفه، ولمَّا تكلم ابن تيمية عن باطنية ابن رشد صرَّح أن كثيرًا من اليهود والنصارى أعظم إيمانًا بالغيب منه، وقال أبو عبيد القاسم في القول بخلق القرآن: كل كفر هو دونه. فلا مناص من تقسيم المسائل إلى ظاهر وخفي، وإن كانت بعض المسائل الظاهرة قد تخفى ولكن خفاؤها بقرائن منضبطة، كما أن الخفية قد تظهر بقرائن منضبطة، وهناك مسائل الأصل فيها الظهور لهذا لا يتردَّد العلماء في تكفير الواقع فيها كما ترى في كلام الاتحادية وأصحاب وحدة الوجود ومثله كلام الفلاسفة والإسماعيلية، ولا علاقة لهذا بمذاهب المعتزلة، فكل سني عنده مسائل ظاهرة لا يدخلها الخفاء لشدة ظهورها وعنده أيضًا مسائل ظاهرة قد تخفى بضوابط. فإن قيل: فما وجه فضل الأمة إذا كان فيها من يتكلم بكلام هو أشد من كلام الكفار الأصليين؟ فالجواب: أن الأمة تنفي خبثها وفيها علماء ينكرون هذا ويشتدُّون، بخلاف الأمم الأخرى التي تواردت على الفساد والكفر حتى ما بقي فيها مَن يُنكِر، كما أن هذه الكفريات إنما جاءت من فلاسفة الأمم الأخرى ولكنها ليست في عامتهم في الغالب.