عقيدة المعتزلة في الحكمة الإلهية وظلها الحركي وأثرها في عقول الناس في زمن الحداث
عقيدة المعتزلة في الحكمة الإلهية وظلها الحركي وأثرها في عقول الناس في زمن الحداثة
عموم بني آدم المؤمنين بالخالق وليس المسلمون فحسب يؤمن بالحكمة الإلهية بمعنى أن الله عز وجل يفعل الشيء الفلاني لتترتب على ذلك المنفعة الفلانية ويأمر بالأمر الفلاني لتترتب عليه المنفعة الفلانية
وهذا معنى فطري في الخلق إلا أن أهل الكلام كان لهم رأي آخر فكثير منهم تشككوا في الحكمة بالمعنى المعهود في أذهان الناس وعدد منهم أنكروها تماماص بهذا المعنى وقالوا ( الله منزه عن الأغراض ) يعني عن أن يفعل لحكمة
وعرفوا الظلم بأنه تصرف المرء بما لا يملك وبناء عليه قالوا الله عز وجل يفعل ما يفعل بالخلق لا يكون ظلماً لأنهم ملكه ولم يأمر بالشيء الفلاني لحسن ذاتي فيه وما نهى عن الشيء الفلاني لقبح ذاتي فيه بل الأشياء كلها محايدة وهو يأمر وينهى بلا حكمة بالمعنى المعروف عند الناس
فلا فرق بين الزنا والزواج سوى أن الله أمر بهذا ونهى عن ذاك وصار قوله تعالى : ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) معناه عندهم إن الله لا يأمر بما لا يأمر به ! وهذا هو قول جمهور الأشعرية وابن حزم وهم يجعلون هذا الأصل عمدة ردودهم على الملاحدة الطاعنين في الشرائع كما فعل الباقلاني مع البراهمة في كتابه التمهيد
وتأولوا آيات الحكمة كما تأولوا آيات الصفات وهؤلاء يقلدهم بعض المحاورين ممن يؤمن بالحكمة في خطابه مع أهل الإلحاد مع الأسف
وهناك فئة مقابلة لهؤلاء وهم المعتزلة الذين أثبتوا الحكمة ولكنهم أثبتوها حكمة عائدة إلى الخلق فحسب
فما معنى هذا ؟
المعتزلة لا يقولون بأن الله عز وجل من حكمته أنه خلق الخلق ليعبدوه ويحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه وهم من خلقه وهو سبحانه يحبهم ويحبونه بل يقولون أن الحكمة فقط في مصالح المخلوقات من حفظ المال والعرض والنفس والعقل وحتى الدين إنما يراد منه ما يتعلق بمصالحهم ولهذا أوجبوا على الله رعاية الأصلح
فإن قيل : ما المشكلة في هذا القول وما الصواب في المسألة إذن ؟
الجواب : المعتزلة لم يثبتوا حكمة تعود للخالق وأنه سبحانه يتفاعل مع عباده الصالحين بالنصرة والمحبة والجزاء على الحسنات لأنهم معطلة والمعطلة أثبتوا ذاتاً بدون صفات وهذا مساوق للإلحاد ولهذا قال القسري لما قتل الجعد بن درهم أنه يقول لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً . وذلك أن الخلق يقبلون بقلوبهم على الخالق في أمرين الأول التشوف لوحيه ورسالاته وقد بلغ موسى في ذلك المبلغ الأعلى فكلمه الله مباشرة
ثم هم إذا طبقوا أوامره ونواهيه تشوفوا لمحبته والقرب منه سبحانه ويجدون في قلوبهم في هذه الدنيا من آثار ذلك ما يهون عليهم كل مصيبة وما هو شعبة من نعيم الجنة وقد بلغ إبراهيم أعلى هذا فبلغ مرتبة الخلة ( وبلغ نبينا مبلغ إبراهيم وموسى وزاد عليهما ) فإذا انتفى هذا المعنيان أن الوحي الذي بين أيدينا ليس كلام الله وأنه سبحانه لا يحب ويحب مع نفي رؤيته وعلوه انمحى كل أثر للخالق في القلوب وإن أثبتته الألسنة
ولهذا كان علماء السلف يقولون ( المعطل يعبد عدماً ) فلما كان هذا المعنى قائماً في نفوسهم لما نظروا للمصالح والمفاسد والحكمة نظروا إليها بالنسبة للخلق لا الخالق والحق أنها متعلقة بما يحب الخالق ويكره وبعلاقة الخالق بالمخلوق وعلاقة المخلوق بالمخلوق وليس في ذلك نقص على الله فهو الذي خلق المخلوقات وأظهر كماله بكماله سبحانه حين خلق مخلوقات يعصون ويطيعون فظهرت آثار أسمائه الحسنى مثل العفو والغفور والحليم وظهرت من آثار قدرته على أعدائه ما يجعل الملائكة يقولون يوم القيامة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فليس الخبر كالمعاينة وتواصله مع الخلق من كماله سبحانه
=