كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أول آيات نزل بها جبريل على النبي ﷺ في غار حراء وكانت بداية قصة الوحي وتلك المعرك

المصدر
أول آيات نزل بها جبريل على النبي ﷺ في غار حراء وكانت بداية قصة الوحي وتلك المعركة التي لا زلنا نعيشها إلى اليوم ( اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم ) لماذا كانت هذه الآيات أول ما نزل ؟ لو تأملت فيها لوجدتها محتوية على الأجوبة لكل الأسئلة الكبرى ففيها تحديد لمنهج الحياة وأنه ينبغي أن يكون مرتبطاً باسم الله وكأن سائلاً سأل لماذا يكون الأمر باسم الله عز وجل لماذا لا يكون الإنسان هو المركز أو يكون أي وثن آخر يعبد من دون الله فجاء الجواب في قوله : ( الذي خلق ) فمنه ابتدأ الأمر وإليه المآل لذا لذا ينبغي أن يرتبط كل شيء به سبحانه وكأن سائلاً سأل فما الآية عليه سبحانه ؟ فجاء الجواب في قوله ( خلق الإنسان من علق ) ذكر العلقة تنبيه على افتقار الإنسان في ولادته وتحوله من طور إلى طور والمولود لا بد له من والد والوالد إن مولوداً حادثاً فلا بد له من والد وهكذا يتسلسل الأمر يصل إلى الخالق لأنه يستحل أن يتسلسل إلى ما لا بداية لأن ذلك يقتضي عدم وجودنا أصلاً فإذا كان مولود لن يوجد إلا إذا وجد قبله مولود لن يوجد إلا وجد قبله مولود إلى ما لا بداية فلن يوجد أي أحد ونحن حاضرون موجودون فدل ضرورة على وجود الخالق الأول وكل النظريات البيولوجية والفيزيائية التي يستند عليها الملاحدة لا يمكنها كسر هذا البرهان العقلي القطعي في امتناع تسلسل الفاعلين أو المؤثرات وإنما تبتديء هذه النظريات من منتصف البحث مثل نظرية التطور تبدأ من عند وجود الأحياء لذا لا تصمد أمام هذا البرهان ثم كأن شخصاً سأل عن أمر الرسالات فجاء الجواب ( اقرأ وربك الأكرم ) فهذا الخالق أيهما أكمل في حقه سبحانه أن يتركنا سدى لا يأمرنا ولا ينهانا ولا يعلمنا كيف نتواصل معه ولا يعلمنا ثوابنا على الطاعة وعقوبتنا على المعصية أم يرسل إلينا من يعلمنا كل ذلك ؟ لا شك أن إرساله لمن يعلمنا كل ذلك هو من الرحمة والكرم ثم إن الكرم عند العرب بذل ما زاد على حق الطرف المقابل ورب العالمين في عموم شريعة أهل الإسلام يعامل الناس بالتفضل فجعل المباحات أوسع من المحرمات وجعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها والمصائب مواعظ وكفارات وأعطى أهل الكتاب فرصة ثانية وجعل لهم من حقن الدماء ما لهم وجعل الصلاة أجرها أجر خمسمائة صلاة وهي خمس ووضع مواسم خير يضاعف فيها الأجر وغيرها من صور التفضل فكرمه فوق كل كرم لذا قيل ( الأكرم ) ثم جاء قوله تعالى ( الذي علم بالقلم ) وفيه الإشارة إلى علم الوحي الذي يكتب بالقلم وهو فوق كل علم فعلوم البشر إما عقليات وإما تجريبيات وفيها ( قلم ) أيضاً ففي العقليات والتجريبيات يكتب علماء كل جيل ما توصلوا إليه ثم يأخذه علماء الجيل الذي يليه ويزيدون عليه وينقصون ويوافقون وينقضون مما يدل ضرورة على نقص هذه المعارف لنقص أهلها من البشر بخلاف الوحي الذي مصدره من الكامل سبحانه وأساس الكثير من الشبهات محاكمة معارفنا الوحي الكامل ضرورة إلى معارفنا الناقصة ضرورة والعقل حاكم بصحة الوحي وبنقص معارفنا على جهة لا يتطرق إليها النقض أبداً كما تقدم معنا فالعقل معارفه متفاوتة وقد دل على ضرورة الخالق والوحي بشكل قطعي ثم ينبغي بعد ذلك التسليم للوحي في كل شيء وعدم تكليف العقل الخوض في تفاصيل لا يهتدي إليها إلا بمقدمات طويلة مظنونة ومن هنا كان ضلال المتكلمين ومثلهم التجريبيون غير أن الأخيرين بابهم التجربة وليس النظر العقلي المحض ولذا جاء قوله ( علم الإنسان ما لم يعلم ) يعني ما لا يصل إليه بعقل ولا تجربة يقيناً وإنما المصدر الأعلى والأصح هو الوحي فسبحان الله تأمل كيف أن هذه الآيات لخصت مطالب الرسالة ونقض أصول المذاهب الباطلة ثم تأمل ما نزل بعدها لاحقاً ( كلا إن الإنسان ليطغى ) يعني يخالف مقتضى هذه العلوم فيعيش عدمية بعيداً عن اسم أو يقدم هوى أو نظراً أو تجربة ظنية على الوحي القطعي أو يجحد الرسالات من أصلها ( أن رآه استغنى ) تعليل لكفر الكفار وسبب غرورهم ( إن إلى ربك الرجعى ) وفي هذه الآية إبطال لداعي الغرور عند الكفار والمواساة لأهل الإيمان فيما يجدون من أهل الخلاف وبيان علة التمسك والصبر على مخالفتهم.