قال الله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فان
قال الله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين)
أقول : هذه الآية أصل في أن الأوامر الشرعية وإن كان ظاهرها فيما نرى ضارا فإن لها مآلا طيبا والله يعلم ونحن لا نعلم
وعامة من يعترض على الحدود الشرعية ليس عندهم تسليم بهذه المقدمة مع أنها مقدمة ضرورية فعلم الخالق لا يقارن به علم المخلوق
وتأمل تسليم الخليل لقتل ولده الذي ما رأى منه شرا وهو فلذة كبده ورؤيته أن الأمر ما دام جاء من الله من مصدر ثابت فهو خير
وقارنه مع محاماة المنسلخين عن الداعرين والداعرات في أمر الرجم ومع محاماتهم عن المرتدين مع أن لكل ذلك حكما معقولة لو جعلنا الله وما جاء به رسوله فوق كل شيء
فإذا كان إبراهيم نال الخلة ب( التسليم ) فالتحاذق على النصوص وتقديم أهواء وكلاميات وذوقيات هو طريق نقيض الخلة وطريق ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون )
وقد عاجل الجهمية أنفسهم فقالوا لا يرى الله أحد ولا أحد خليل له بمعنى المحبة في مرتبة من مراتبها بل الخلة الافتقار ( والافتقار وصف ضروري لكل مخلوق أصالة )
وتأمل إبراهيم الذي هذا تسليمه هو الذي أبطل الشرك السماوي بالاستدلال العقلي في قصة لا أحب الآفلين وأبطل الشرك الأرضي بتحطيم الأصنام فضرب لهم مثلا يعقله العاقلون وأبطل طغيان الطاغوت حين قال له ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) وكل من يتمرد على أوامر الله الشرعية هو رغما عن أنفه خاضع لأوامره الكونية ، وهو الذي استزداد إيمانيا حين قال ( رب أرني كيف تحيي الموتى )
فلما استدل بالمعقول في تأييد الحقيقة الشرعية وإثبات صحتها صار يسلم لكل ما يأتي منها ، وهذه هي الطريقة السلفية التي سار عليها الأئمة المهديون الاستدلال على صحة الطريقة الشرعية وأنها من الله وتطلب زيادة الإيمان واليقين مع التسليم التام ومن ينظر في القرآن ثم ينكر الاستدلال العقلي الصحيح في تأييد الحقيقة الشرعية الفطرية هو بمنزلة الظاهري يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقيس حين يقول لمن قبل امرأته وظن أنه أفطر ( أرأيت لو تمضمضت أكنت تفطر ) أو كما قال فيكون أشد شغب الظاهري أن النبي صلى الله عليه وسلم نعم يقيس ونحن لا نقيس ! وهو نفسه يبطل القياس بالقياس فيقيس القياس الفاسد الباطل المذموم في مخالفة النص ، على القياس على النص وينكرها كلها ، منكر الاستدلال العقلي الصحيح هو من جنس هذا الظاهري